الإثنين, سبتمبر 7, 2026
الرئيسيةمقالاتضد الانكسار ...

ضد الانكسار كرري: النصر أو الجنة أمل أحمد تبيدي

مدخل
قال ونستون تشرشل:
(لقد كان السودانيون الذين واجهناهم في معركة كرري أشجع رجال مشوا على وجه الأرض)

نعيش اليوم مرحلة مفصلية تختلف فيها أدوات المواجهة. فالعدو لم يعد يأتي بجيوش احتلال مباشر، وإنما عبر الدعم الخارجي وإشعال الفتن القبلية بهدف نهب الموارد.
تمر هذه الأيام الذكرى الـ128 لمعركة كرري، المعركة التي خلدها الشعراء وتغنى بها عمالقة الفن:
كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية
خاضوا اللهيب وشتتوا كتل الغزاة الباغية
والنهر يطفح بالضحايا بالدماء القانية
ما لان فرسان لنا بل فر جمع الطاغية.
لم تبدأ الحرب من وسط الخرطوم للنهب والقتل والتشريد، وإنما انطلقت من قرية “العجيجة” شمال أم درمان في 2 سبتمبر 1898، إذ شن أجدادنا الأبطال هجوماً على مواقع المحتل.
كانت معركة كرري شمال أم درمان من أجل جلاء المستعمر، لا من أجل احتلال المنازل وإذلال المواطن وحرق مؤسسات الدولة.
معظم حروب الثورة المهدية كانت من أجل إنهاء حكم الإنجليز والأتراك. وفي موقعة كرري انتصرت القوة المدعومة بالأسلحة النارية المحرمة دولياً، ومع ذلك واجهها الأنصار بثبات وشجاعة نادرة.
قالها الخليفة عبدالله:
(يا أنصار الدين، النصر أو الشهادة)
نخوض اليوم معركة نستلهم فيها المواقف البطولية التي تحمل معاني الشجاعة والإقدام في مواجهة مؤامرة كبرى.
ورغم الهزيمة عسكرياً، إلا أن معركة كرري جسدت الروح الوطنية الرافضة للاستعمار والساعية للتحرر. هذا ما أكده رئيس الوزراء البريطاني جلادستون عندما رفض إرسال جيش لحماية “غردون” من هجمة جيوش المهدية قائلاً:
(لا يمكنني أن أحارب جيشاً يبحث عن حريته”. لكنه لم يصمد أمام الرأي العام البريطاني)
كتب المراسل الحربي البريطاني جي. دبليو. ستيفنس كشاهد عيان على كرري:
(لقد كانت أشرس معركة في أشرس يوم. تقدمت الراية الزرقاء راية الخليفة عبدالله في مقدمة الجيش المهدوي برجالها الأشداء المخلصين، وكان أمامهم خياران: النصر أو الجنة)
قبل تشويه حقبة من التاريخ يجب أن يكون النقد موضوعياً. جيش حارب وهو لا يمتلك سلاحاً متطوراً ولا وسائل اتصال.
يجب ألا يُكتب التاريخ من منطلق جهوي أو قبلي أو عبر الغبائن والنزعات الانتقامية. ليكن مصدر قوتنا وحدتنا، لا صراعنا وخلافنا.
أنصفهم الأعداء أنفسهم. فقد كتب المراسل ستيفنس:
(إن جاز لي اليوم أن أقول إن قواتنا قد بلغت الكمال، فلابد لي أن أعترف بأن المهدويين بروعتهم قد فاقوا حد الكمال. لقد كان الجيش السوداني في كرري من أعظم وأشجع الجيوش التي حاربناها طوال مواجهاتنا الطويلة في حروب المستعمرات… كلما تساقط قتلاهم بمدافع المكسيم كانوا يجمعون صفوفهم ويتقدمون نحونا بجسارة فائقة… نعم كانت كرري آخر أيام المهدية، ولكنها كانت بحق أعظمها على الإطلاق)
الهزيمة كانت بالسلاح، ولكنهم لم يتمكنوا من اقتلاع جذور القوة والصمود التي ورثناها منهم. وتتجسد هذه الروح اليوم في تضحيات الجيش ومن يساندونه في مواجهة تمرد مدعوم من أعداء البلاد لتحقيق مصالحهم عبر استعمار اقتصادي يمكنهم من الاستيلاء على الموارد والثروات.
وكما تغنى الأستاذ محمد وردي:
غرسوا النواة الطاهرة
ونفوسهم فاضت حماساً كالبحار الزاخرة
من أجلنا سادوا المنون
ولمثل هذا اليوم كانوا يعملون
أختم بما قاله المؤرخ الأمريكي J. A. Rogers مؤلف كتاب “أعظم رجال العالم من البشرة الملونة”:
(مهما كانت نتيجة معركة كرري، ستظل الثورة المهدية التي فجرها السودانيون أعظم مثال للبطولة والتفاني يمكن أن يوفره لنا التاريخ الإنساني)
سيظل أعظم الرجال في التاريخ هم الشهداء الذين ضحوا من أجل أوطانهم، وأحقر الرجال من خانوا أوطانهم.
حسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
Ameltabidi9@gmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات