ما هو المقصود بقرن المهانة عند الصينيين؟
قرن المهانة (أو “قرن الذل” وبالصينية: Century of Humiliation) هو مفهوم تاريخي وسياسي محوري في الوجدان القومي الصيني، يشير إلى الفترة الممتدة من عام 1839 حتى عام 1949. يجسد هذا المصطلح قرناً من الزمان تعرضت فيه الصين لأزمات كبرى وهزائم متتالية واستعمار غير مباشر من قبل القوى الغربية واليابان.
فيما يلي عرض تحليلي لأبعاد هذا المفهوم وأثره على سياسة الصين الحديثة:
1. البداية والشرارة: حروب الأفيون (1839 – 1860)
بدأت هذه الفترة المظلمة في تاريخ الصين مع انطلاق حرب الأفيون الأولى (1839) بين سلالة تشينج الحاكمة والإمبراطورية البريطانية.
السبب: حاولت الصين منع تجار الأفيون المدمرة التي تدفقت بها التجار البريطانيون داخل أراضيها.
النتيجة: فرضت بريطانيا بالقوة “معاهدة نانجينج” (1842)، التي أجبرت بموجبها الصين على فتح موانئها للتجارة الغربية، وتنازلت عن جزيرة هونج كونج، ودفعت لتقديم امتيازات تجارية وقضائية مجحفة.
2. المعاهدات غير المتكافئة والتقسيم الإقليمي
شهدت العقود التالية خضوع الإمبراطورية الصينية لما يعرف بـ “المعاهدات غير المتكافئة” مع دول عدة (بريطانيا، فرنسا، روسيا، ألمانيا، والولايات المتحدة)، مما أدى إلى:
فقدان السيادة: خضعت الموانئ الرئيسية للسيطرة الأجنبية، وأصبح للأجانب حصانة قضائية داخل الأراضي الصينية.
تمزيق الكبرياء: أطلق على الصين في تلك الفترة لقب “رجل آسيا المريض”، وقسمت مناطق نفوذها بين القوى الكبرى فيما أشبه بقطع “كعكة الإمبراطورية”.
3. الغزو الياباني والصدمة الآسيوية
لم يقتصر التهديد على القوى الغربية، بل جاءت الصدمة الأكبر من الجارة الآسيوية:
الحرب الصينية اليابانية الأولى (1894 – 1895): هزيمة ساحقة للصين أدت إلى فقدان سيادتها على شبه الجزيرة الكورية وتنازلها عن جزيرة تايوان لليابان.
الغزو الياباني الشامل (1937 – 1945): ارتكاب فظائع كبرى خلال الحرب العالمية الثانية، أبرزها مذبحة “نانجينج”، مما أعمّق جراح الكبرياء الوطني الصيني.
4. الأثر السياسي المعاصر: عقدة التاريخ ومحرك المستقبل
لا يزال “قرن المهانة” حاضراً بقوة في الخطاب السياسي للحزب الشيوعي الصيني وفي الثقافة العامة:
شرعية الحكم: يستمد الحزب جزءاً من شرعيته من دوره في حماية البلاد من الهيمنة الأجنبية وضمان عدم تكرار السيناريو التاريخي.
“الحلم الصيني“: يطرح الرئيس الصيني شي جين بينج مفهوم “إعادة النهضة الوطنية” كرد مباشر وتجاوز لآثار قرن المهانة، لاستعادة الصين مكانتها الطبيعية كقوة عظمى.
السياسة الخارجية: يفسر هذا المفهوم حساسية الصين الشديدة تجاه قضايا السيادة والتدخل الخارجي، وخاصة في ملفات مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي.
الخلاصة
ليس “قرن المهانة” مجرد فصل في كتاب تاريخ بالنسبة للصين، بل هو المحرك النفسي والسياسي الذي يصيغ عقيدتها الوطنية وسياستها الخارجية للقرن الحادي والعشرين.
بقلم: عميد شرطة (حقوقي)
محمد علي عبدالله عبد الدائم
