لم تكن طلقات الغدر التي أُطلقت في الخرطوم في منتصف أبريل 2023 وليدة لحظة انفعال عسكري طارئ، بل كانت نقطة الصفر لمعادلة إقليمية جُهزت بعناية داخل أروقة المخابرات في أبوظبي. كان الهدف صريحاً ولا يحتمل التأويل: تفكيك القوات المسلحة السودانية — المؤسسة الضامنة لبقاء الدولة لأكثر من قرن — واستبدالها بمليشيا عائلية “الدعم السريع” لتكون وكيلاً حواضنه الصحراء، ومهمته تحويل جغرافيا السودان الثرية إلى منجم مفتوح للذهب والموانئ البحرية الممتدة على البحر الأحمر. لكن المخطط الذي أُريد له أن يحسم المشهد في غضون أيام معدودة، اصطدم بصخرة عقيدة الجيش السوداني وصمود الشعب، وهنا انتقلت أبوظبي من مرحلة الدعم السياسي والتخطيط الخفي إلى مرحلة الحرب التدميرية الشاملة وجسر الإمداد العسكري المباشر.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، ضجت شبكات التحقيق الرقمي بآلاف مقاطع الفيديو والصور التي التقطتها الأقمار الصناعية، حيث وثقت جميعها حركة الطيران العارض التي تنطلق بكثافة من قاعدة “البطين” الجوية ومطارات إماراتية أخرى لتستقر في المنطقة. وعندما باتت مسارات الإمداد التقليدية مكشوفة ومكلفة، صدرت الأوامر بالانتقال إلى تحويل مطار “نيالا” في جنوب دارفور، بعد أن سيطرت عليه المليشيا، إلى قاعدة جوية ومحور عمليات جوي متقدم؛ حيث تدفقت الرحلات عبر مدرجه جالبة معها صواريخ مضادة للطيران ومدافع حرارية متطورة، إضافة إلى مسيّرات استراتيجية انتحارية مزودة بأنظمة توجيه حديثة، وأجهزة تشويش وحرب إلكترونية متقدمة لعزل القوات المسلحة السودانية وإرباك اتصالاتها.
وفي ليلة داهمت فيها القوات الجوية السودانية سماء نيالا، أطبقت المقاتلات السودانية على المطار بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة، ونفذت صقور الجو غارات حاسمة استهدفت مدرج نيالا لحظة تفريغ شحنات العتاد المباشرة. أسفرت الضربات عن تدمير طائرات الشحن بالكامل واشتعال مستودعات الذخيرة، كما أدت إلى هلاك عدد من الخبراء والفنيين الأجانب والإماراتيين المشاركين في إدارة أنظمة التشويش وغرف توجيه الطائرات المسيرة داخل أسوار المطار، لتتحول تلك الليلة إلى محرقة مكشوفة نسفت أحلام السيطرة وحولت مدرج نيالا إلى رماد يوثق فشل المخطط الداعم للمليشيا.
وبينما كانت نيران الأسلحة الإماراتية تحرق القرى والمدن السودانية في الفاشر والخرطوم والجزيرة، كان هناك فصل آخر يُلعب في قاعات الفنادق الفاخرة بين العواصم الإقليمية. ظهر قيادات تحالف “الاتفاق الإطاري” كواجهة سياسية تحاول إسباغ الشرعية المدنية على بندقية المليشيا. ارتهنت هذه الأحزاب للدرهم الإماراتي، وأخذت تروّج لخطاب يبرر جرائم المليشيا ويلقي باللوم على الجيش الوطني تحت لافتة “وقف الحرب”. ولم يكن هذا الدور بمعزل عن الهندسة الإقليمية الكبرى؛ فالغاية هي ربط السودان بمشروع التطبيع والارتهان للكيان الصهيوني، وتجريد الإقليم من أي دولة ذات جيش وطني مستقل يرفض الخنوع والأجندات المشبوهة.
على مدى سنوات الحرب، أثبتت التجربة الميدانية أن أموال النفط وشبكات المرتزقة والطائرات المسيرة لا تستطيع كسر إرادة أمة تقاتل من أجل وجودها وكرامتها. إن الصمود الأسطوري للقوات المسلحة السودانية والتفاف الشعب حولها كشف عورة المخطط الإماراتي أمام الرأي العام العالمي وأمام مجلس الأمن والدول الكبرى. ستظل دماء الضحايا وحطام الطائرات المحترقة فوق مدرج نيالا شواهد تاريخية لا تمحى، تؤكد أن أرض السودان كانت وستظل عصية على الاستعمار الجديد ووكلاء الصهيونية في المنطقة.
اللهم احفظ السودان وأهله، وانصر شعبه الطيب المعطاء، وثبت أقدام قواته المسلحة الباسلة، واجعل كيد المعتدين في نحورهم، نصرٌ من الله وفتحٌ قريب.
