ليس أسهل من المتاجرة بالأمل حين يكون الجمهور مكسوراً، والشعب ملهوفاً لرائحة الديار. لكن حين يتحول هذا “الأمل” إلى لافتة براقة تُجمع باسمها المليارات من خزائن الدولة وجيوب الخيرين، دون أن يعرف أحد أين تذهب وكيف تُنفق، فهنا ينتهي حسن الظن، ويبدأ الواجب الصحفي في ممارسة “القطع والتشريح”.
ما تفعله «لجنة الأمل للعودة الطوعية» اليوم يجبرنا على خلع قفازات المجاملة، ووضع الجميع أمام منصة المساءلة بلا مواربة أو مهادنة.
أولاً: من أنتم؟ وبالأمر المباشر من مَن تعملون؟
أولى خطايا هذه اللجنة هي غياب “الهوية القانونية”. هل نحن أمام مؤسسة رسمية تمتلك صفة اعتبارية، أم أمام “شبح إداري” يمارس سلطات الدولة بلا تفويض؟ أين أوراق التسجيل؟ ومن يمنح رئيساً أو مقرر لجنة غير مسجلة حق توقيع عقود ملزمة واستلام أموال سيادية؟ إن إدارة ملف بحجم العودة الطوعية بعقلية “الجمعيات الخيرية غير المرخصة” ليس مجرد إهمال، بل هو انتهاك صارخ للقانون، يضع كل عملية مالية أو لوجستية تُجريها اللجنة تحت طائلة الشبهة والجرم الإداري.
ثانياً: غسيل الشفافية.. أين اختفت المليارات؟
استلمت اللجنة مبالغ ضخمة من مؤسسات الدولة وهي أموال الشعب إلى جانب تدفقات مالية سخية من رجال أعمال وخيرين. والسؤال المباشر الذي لا يحتمل التلعثم: أين التقرير المالي؟ لماذا لم يطأ “ديوان المراجع العام” أعتاب هذه اللجنة حتى اللحظة؟ من يراجع الفواتير؟ ومن يضمن عدم تسرب هذه الأموال إلى الحسابات الشخصية أو الإنفاق الصوري؟ إن الامتناع عن نشر ميزانية مراجعة وموثقة من جهة تدقيق مستقلة يضع اللجنة تلقائياً في خانة “الثقب الأسود” الذي يبتلع الدعم ويخرس عن الحساب.
ثالثاً: صفقة الترحيل .. أرواح الناس في عطاءات الغرف المغلقة!
الملف الأشد خطورة ونداءً للريبة هو ملف التعاقدات. كيف تم اختيار الشركات التي تُرحّل العائدين؟ هل دخلت هذه الشركات في عطاءات علنية وفق قانون الشراء والتصرف في المرافق العامة؟ أم أن الأمر أدير في الغرف المغلقة بمنطق “المحاصصة والمنافع”؟ والأدهى من ذلك: هل تفحصتم الشروط التعاقدية والسلامة الفنية لهذه الشركات؟ أم أنكم تُلقون بالعائلات في باصات تفتقر لأدنى مقومات عمل الترحيل والقدرة فى امتلاك باصات و إمكانات لوجستية ، لمجرد التعاقد مع شركات تقدم الخدمات الأرخص أو الأقرب لدوائر النفوذ؟
إن ممارسة السلطة بلا رقابة، وإدارة المال العام بلا مراجعة، والتعامل مع أرواح العائدين بلا حسيب، ليست إدارة لأزمة.. بل هي تصنيع لأزمة جديدة.
على لجنة الأمل إن كانت تحمل من اسمها نصيباً أن تخرج فوراً ببيان موثق بالمستندات، يُفصح عن صفاتها القانونية، ويعرض تقريرها المالي المعتمد، ويكشف عن عقود الشركات وشروط سلامتها. أما الاستمرار في سياسة الصمت والتلفع برداء المبادرات الخيرية، فلن يحمي أحداً من الوقوف أمام ديوان الحساب والشعب.
الأوراق على الطاولة.. والشارع يراقب. ولنا عودة قاطعة!
