لم تكن جلسة مجلس الأمن حول السودان في 24 أغسطس مجرد جلسة لبحث حرب دخلت عامها الرابع، بل بدت عملية فرز للمواقف الدولية هل هي حرب بين طرفين ينبغي الضغط عليهما بالتساوي، أم صراع بين دولة ومؤسساتها وقوة متمردة، أم ساحة لصراع إقليمي ودولي أوسع؟ وجاءت الجلسة في توقيت لافت؛ فقبلها كان الفريق أول عبد الفتاح البرهان يحذر من عقوبات محتملة عليه وعلى السودان، وفي يومها حذر من دعاوى الحظر الجوي، مؤكداً استمرار الحرب حتى استعادة الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع. ثم جاء المقترح الأمريكي الذي قدمه مسعد بولس لتوسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان، بما في ذلك المسيّرات والتقنيات المرتبطة بها. وتقول واشنطن إن الهدف وقف تدفق السلاح والضغط على طرفي الحرب للذهاب إلى السلام.
هنا بدأ «فرز الكيمان».
واشنطن ولندن وباريس
تميل إلى توسيع العقوبات وأدوات الضغط، انطلاقاً من أن تدفق السلاح إلى طرفي الحرب يطيل أمدها. لكن الخرطوم ترى أن تعميم الحظر يضع الجيش النظامي في السلة نفسها مع قوة متمردة، ويقيد قدرة الدولة على الدفاع عن سيادتها. ولهذا رفض السفير الحارث إدريس توسيع الحظر خارج دارفور، وطالب بدلاً منه بتجفيف شبكات التسليح الخارجية.
موسكو وبكين
رفضت روسيا توسيع الحظر، ورفضت بوضوح المساواة بين الجيش والدعم السريع. أما الصين، وإن كانت أكثر تحفظاً، فالتقت مع الخرطوم في رفض تحويل العقوبات إلى بديل عن الحل السياسي والتشديد على سيادة السودان ووحدة أراضيه.
مصر والسعودية
يبرز في مواقفهما التأكيد على وحدة السودان وسيادته ورفض الكيانات الموازية، إلى جانب الدعوة لوقف تدفق السلاح والمرتزقة واستعادة المسار السياسي. لكن لكل دولة حساباتها وأدواتها، وهو ما يستدعي قراءة مواقفهما من نصوص مداخلاتهما لا من الاصطفافات الجاهزة.
دول تتبنى الحياد
هناك دول تتحدث عن الحرب باعتبارها أزمة سودانية داخلية، بينما تظل مسألة التدخل الخارجي في التسليح والتمويل والمرتزقة هي الحلقة التي لم تُحسم. حتى المداخلات الأممية نفسها أقرت بأن الحرب أصبحت أكثر تعقيداً وأن الأسلحة المتطورة المستخدمة في المعارك تشير إلى استمرار الدعم الخارجي. وقالت مساعدة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام روزماري ديكارلو إن الصراع يتصاعد، بينما أشارت الأمم المتحدة إلى أن نحو 13 مليون شخص فروا من منازلهم، بينهم 8.7 ملايين نازح داخلياً.
فواشنطن تقول إن هناك دعماً خارجياً يغذي الحرب، لكنها في طرحها أمام المجلس لم تسمِّ دولة بعينها. وفي المقابل، يصر السودان على أن معالجة المشكلة تبدأ من تجفيف مصادر الدعم الخارجي لا من تجريد الدولة من أدواتها الدفاعية. وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي يجب ألا تهرب منه جلسات مجلس الأمن إذا كان السلاح الخارجي أحد محركات الحرب، فلماذا لا يبدأ المجتمع الدولي أولاً بتحديد شبكات الإمداد ومحاسبة من يخرق العقوبات بدلاً من وضع الدولة السودانية كلها تحت حظر شامل هذه هي النقطة التي تجعل مشروع الحظر الأمريكي أكثر تعقيداً من مجرد إجراء فني. فالحظر، إذا طُبق بصورة متساوية على الجميع، قد يبدو محايداً على الورق؛ لكنه قد لا يكون متساوي الأثر على الأرض. فالدولة التي تملك جيشاً نظامياً ومؤسسات ومطارات وحدوداً واحتياجات دفاعية تختلف، من حيث طبيعة احتياجاتها العسكرية، عن قوة غير نظامية تعتمد بدرجة كبيرة على شبكات خارجية للتمويل والتسليح. ومن هنا يمكن فهم الاعتراض السوداني والروسي على فكرة «المساواة» بين الطرفين. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن الأمم المتحدة تحدثت بوضوح عن سقوط مدنيين جراء المسيّرات التي يستخدمها الطرفان. فقد وثقت الأمم المتحدة نحو 1400 وفاة مدنية بين يناير ويونيو 2026، وقالت إن نحو 1100 منها ارتبطت بضربات المسيّرات. إذن القضية ليست الدفاع عن المسيّرات بوصفها سلاحاً، وإنما من يملك حق امتلاك السلاح في دولة ذات سيادة، ومن يستخدمه ضد المدنيين، ومن أين يأتي السلاح؟
وهنا تحديداً «فرز الكيمان».
فجلسة مجلس الأمن لم توحد المجتمع الدولي حول السودان، بل كشفت اختلافاً عميقاً في تعريف المشكلة نفسها. واشنطن ترى أن الضغط على طرفي الحرب يمكن أن يدفعهما إلى التفاوض. الخرطوم ترى أن تعميم الحظر يساوي عملياً بين الدولة والتمرد ويقيد قدرتها على الدفاع عن نفسها. موسكو ترفض هذه المساواة بصورة أكثر صراحة، بينما تدعو بكين إلى الحذر من تحويل العقوبات إلى أداة بديلة عن السياسة. أما العواصم العربية والإقليمية المؤيدة لوحدة السودان فتجد نفسها أمام معادلة دقيقة دعم وحدة الدولة وسيادتها، وفي الوقت نفسه دفع الأطراف نحو وقف الحرب وحماية المدنيين. لكن خلف كل ذلك يقف سؤال أكبر هل يريد المجتمع الدولي إيقاف الحرب في السودان، أم إعادة تشكيل ميزان القوة الذي سينتهي إليه السودان بعد الحرب فالفرق بين السؤالين هائل. إذا كان الهدف هو إيقاف الحرب، فإن الطريق يبدأ بتجفيف مصادر السلاح والمال والمرتزقة، وإجبار الداعمين الخارجيين على التوقف، ثم دفع الطرفين إلى تسوية سياسية. أما إذا كان الهدف هو إعادة تشكيل ميزان القوة على الأرض، فإن توسيع الحظر ليشمل كامل السودان، بما في ذلك المسيّرات، قد يتحول من أداة للسلام إلى عنصر جديد في معادلة الحرب.
ولهذا فإن جلسة 24 أغسطس 2026 ربما لا تكون مجرد جلسة أخرى في ملف السودان. لقد كانت، إلى حد كبير، جلسة فرز للكيمان. والاختبار الحقيقي لن يكون في ما قالته العواصم داخل قاعة المجلس، وإنما في ما ستفعله خارجها: من سيُحاسَب على إدخال السلاح؟ من سيُضغط عليه؟ من سيُعاقَب؟ وهل ستكون العقوبات أداة لوقف الحرب، أم أداة لإعادة توزيع القوة داخلها؟ عند الإجابة عن هذه الأسئلة فقط يمكن للسودانيين أن يعرفوا: من يقف مع السودان، ومن يقف مع طرف في السودان، ومن يقف مع مشروع يتجاوز السودان نفسه.
