الأحد, أغسطس 23, 2026
الرئيسيةسياسةالحوار السوداني–السوداني.. من مخرج للأزمة إلى اختبار حقيقي للتوافق الوطني

الحوار السوداني–السوداني.. من مخرج للأزمة إلى اختبار حقيقي للتوافق الوطني

الخرطوم : المجد نيوز

تعود فكرة الحوار السوداني–السوداني إلى واجهة المشهد السياسي باعتبارها أحد المسارات المطروحة للخروج من الأزمة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مقاربة وطنية تتجاوز إدارة الحرب إلى معالجة جذور الأزمة وبناء توافق سياسي قادر على وضع السودان على طريق الاستقرار.
ودعا رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، إلى جعل الحوار السوداني–السوداني مدخلاً رئيسياً لمعالجة الأزمة، مؤكداً أن مستقبل البلاد ينبغي أن يُصاغ بمشاركة السودانيين أنفسهم، وبعيداً عن الحلول التي تُفرض من خارج الإرادة الوطنية.
ولا تقف أهمية الدعوة عند مجرد جمع القوى السياسية والمجتمعية حول طاولة واحدة، إذ وضع البرهان الحرية كشرط لنجاح الحوار، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تسمح للمشاركين بطرح آرائهم ومواقفهم دون خوف أو تضييق، وأن يكون الحوار مفتوحاً أمام المجتمع، بما يضمن اتساع دائرة المشاركة وعدم حصر العملية السياسية في النخب وحدها.
ويبدو أن هذا الطرح يضع أمام القوى السياسية والمدنية اختباراً لا يقل أهمية عن الدعوة نفسها: هل تستطيع المكونات السودانية إدارة خلافاتها داخل مساحة حوار واحدة، أم أن الانقسامات التي عمّقت الأزمة ستنتقل معها إلى أي منصة جديدة؟
فالواقع السوداني يؤكد أن إنهاء الحرب، رغم كونه الأولوية، لا يمثل وحده نهاية للأزمة. إذ إن وقف القتال يحتاج إلى مسار سياسي يترجم الهدوء إلى اتفاق على شكل الدولة، وطبيعة نظام الحكم، وترتيبات الانتقال، وقضايا العدالة والمواطنة، فضلاً عن إعادة بناء المؤسسات التي أضعفتها الحرب.
وفي المقابل، شدد البرهان على ضرورة حصر سلاح الميليشيات، باعتباره خطوة أساسية نحو السلام والاستقرار. وهي قضية تضع الحوار أمام واحد من أكثر الملفات تعقيداً، باعتبار أن أي توافق سياسي يظل هشاً ما لم تستند الدولة إلى احتكار مؤسساتها الشرعية لاستخدام القوة والسلاح.
ومن هنا، فإن الحوار السوداني–السوداني لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد منصة لتبادل المواقف أو إعادة إنتاج الاصطفافات القديمة، بل إلى عملية سياسية تبحث في القضايا التي أنتجت الأزمة وتضع لها حلولاً قابلة للتنفيذ.
كما أن توسيع قاعدة المشاركة يظل عاملاً حاسماً في اختبار شرعية أي تسوية مقبلة؛ فاستبعاد قوى اجتماعية وسياسية مؤثرة قد يمنح الاتفاق شكلاً سياسياً، لكنه لن يوفر بالضرورة قاعدة وطنية كافية لحمايته واستمراره.
وبين وقف الحرب وبناء السلام وإعادة تأسيس الدولة، يقف الحوار أمام مهمة أكبر من تسوية الخلافات بين القوى السياسية؛ وهي استعادة فكرة الدولة نفسها، وترميم الثقة بين مكوناتها، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس المشاركة والحقوق والحريات.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي ليس في عقد الحوار بحد ذاته، وإنما في قدرته على إنتاج توافق وطني يتجاوز المصالح الحزبية والاصطفافات العسكرية، ويضع مشروعاً مشتركاً لمستقبل السودان.
فالسودان لا يحتاج إلى حوار ينتهي بمجرد صدور البيانات، وإنما إلى حوار يفضي إلى اتفاق على قواعد اللعبة السياسية، وسلاح واحد بيد الدولة، ومؤسسات قادرة على حماية الحريات، ومشروع وطني يجعل السودانيين شركاء فعليين في صناعة مستقبل بلادهم.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات