بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب، يبدو أن السودان يقف أمام مرحلة مختلفة من مساره السياسي والعسكري مرحلة لا تتوقف فيها معركة الميدان، لكنها تفتح في الوقت ذاته معركة أخرى لا تقل أهمية معركة إعادة ترتيب الداخل، واستعادة مؤسسات الدولة، ورسم ملامح المرحلة المقبلة
وفي هذا السياق، تكتسب التحركات الأخيرة لرئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، أهمية تتجاوز حدود القرارات والإجراءات المباشرة فالتغييرات التي شهدتها المؤسسة العسكرية خلال الأشهر الماضية، إلى جانب الدفع باتجاه حوار سوداني داخلي، تشير إلى محاولة لإعادة تنظيم المشهد السوداني على أكثر من مستوى، عسكرياً وسياسياً ومؤسسياً
ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن طبيعة المرحلة التي يعيشها السودان فالحروب الطويلة لا تنتهي بمجرد تغير خطوط المواجهة، وإنما تترك وراءها واقعاً جديداً يحتاج إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، وترميم النسيج الاجتماعي، وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية
ولعل أبرز ما يلفت الانتباه في المرحلة الراهنة هو الانتقال التدريجي من التركيز الكامل على إدارة الحرب إلى التفكير في شكل الدولة بعد الحرب
فالبرهان أعلن مؤخراً عن إطلاق حوار سوداني شامل، بمبادرة وطنية، بهدف إشراك القوى السودانية في رسم ملامح المرحلة المقبلة، مع طرح مسار لاستكمال مؤسسات الحكم وتشكيل المجلس التشريعي وفي المقابل، ما زال موقف القيادة العسكرية يتمسك بشروط واضحة تتعلق بمستقبل قوات الدعم السريع وعدم عودتها إلى السلطة
وهنا تبرز الأسئلة الأهم
هل يمثل هذا الحوار بداية حقيقية لإعادة بناء التوافق الوطني؟ ومن هم أطرافه؟ وهل يستطيع أن يستوعب التنوع السياسي والمجتمعي السوداني بعيداً عن الاصطفافات التي عمقت الأزمة؟ والأهم، هل يستطيع السودانيون هذه المرة أن يجعلوا من الحوار وسيلة لبناء الدولة، لا مجرد محطة جديدة لتقاسم السلطة؟
إن إعادة ترتيب الصفوف الداخلية لا تعني فقط إعادة توزيع المواقع السياسية أو العسكرية، وإنما تعني إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومؤسساتها والمجتمع والقوى السياسية
فالسودان الذي يخرج من الحرب لن يكون هو السودان الذي دخلها. هناك ملايين المواطنين الذين تغيرت حياتهم، ومدن دُمرت، ومؤسسات تعطلت، واقتصاد يحتاج إلى إعادة تشغيل، وأجيال تحملت كلفة حرب طويلة ولذلك فإن أي ترتيبات سياسية جديدة يجب أن تضع المواطن في قلب المعادلة، لا أن تجعل الصراع على السلطة هو جوهر المرحلة المقبلة
وفي الجانب العسكري، فإن إعادة ترتيب القيادة والمؤسسات العسكرية يمكن النظر إليها باعتبارها جزءاً من عملية أوسع لإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية بعد سنوات الحرب. وقد شهد الجيش خلال عام 2026 تغييرات واسعة في قيادته وهيئة أركانه، شملت تعيينات وإعفاءات وإعادة توزيع للمواقع القيادية
لكن نجاح هذه العملية لا يقاس بعدد التغييرات أو أسماء الذين يتولون المناصب، وإنما بقدرتها على الوصول إلى مؤسسة عسكرية أكثر تنظيماً وانضباطاً، وقادرة على أداء دورها الدستوري في حماية الدولة وسيادتها، ضمن منظومة مؤسسات وطنية مستقرة
وفي المقابل، فإن إعادة بناء الدولة تتطلب أكثر من المؤسسة العسكرية
السودان يحتاج إلى إعادة بناء الإدارة المدنية، وإصلاح الخدمة العامة، واستعادة المؤسسات الإعلامية والثقافية، وإعادة تشغيل الجامعات والمدارس والمستشفيات، ووضع الاقتصاد على طريق التعافي، وتهيئة بيئة تسمح بعودة النازحين واللاجئين، وإعادة إعمار المدن والمناطق التي دمرتها الحرب
وهنا تتحول معركة السودان من معركة الصمود إلى معركة البناء
فإذا كانت السنوات الماضية قد فرضت على الدولة أولوية الحفاظ على وجودها ومؤسساتها، فإن المرحلة المقبلة ستفرض أولوية أخرى: كيف تتحول الدولة من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل؟
وهذه النقلة تحتاج إلى رؤية وطنية تتجاوز الحسابات الآنية
كما أن الحوار الداخلي، إذا أراد أن ينجح، يجب ألا يكون مجرد استجابة سياسية للظرف الراهن، وإنما فرصة لإعادة تأسيس العقد الوطني على أسس جديدة، تقوم على المواطنة، وسيادة القانون، واحترام التنوع، والعدالة، والمشاركة السياسية، ورفض استخدام السلاح وسيلة لحسم الخلافات السياسية
ولا يعني ذلك تجاهل الخلافات القائمة أو القفز فوق تعقيدات المشهد السوداني. على العكس، فإن نجاح أي حوار يتطلب الاعتراف بحجم الانقسامات الموجودة، والتعامل معها بشجاعة ومسؤولية، مع ضمان أن تكون مصلحة السودان هي المساحة المشتركة التي يلتقي حولها الجميع
كما أن المرحلة المقبلة ستضع الإعلام الوطني أمام مسؤولية استثنائية
فمع إعادة ترتيب المشهد الداخلي، ستزداد الحاجة إلى إعلام يشرح ولا يكتفي بالنقل، ويفسر ولا يكتفي بالتعليق، ويتحقق من المعلومات قبل نشرها، ويواجه حملات التضليل التي يمكن أن تستهدف أي عملية انتقال سياسي
الإعلام في هذه المرحلة ليس مراقباً من الخارج، بل جزء من عملية بناء الوعي الوطني
ولذلك فإن السودان يحتاج إلى رواية وطنية جامعة، لا تقوم على إلغاء روايات الآخرين، وإنما على توثيق الحقيقة، وحفظ الذاكرة، وتقديم صورة متوازنة عن الحرب وتداعياتها، ثم الانتقال إلى سردية جديدة عنوانها إعادة البناء واستعادة الحياة
وربما تكون هذه هي اللحظة التي يحتاج فيها السودان إلى إعادة ترتيب مفهوم القوة نفسه
فالقوة بعد الحرب لن تكون في السلاح وحده، وإنما في قدرة الدولة على فرض القانون، وفي قوة مؤسساتها، وفي اقتصادها، وفي تعليمها، وفي إعلامها، وفي قدرتها على استعادة ثقة المواطن
ومن هنا فإن التحركات الحالية يجب أن تُقرأ في سياق أوسع من مجرد تبديل مواقع أو إطلاق مبادرات سياسية. إنها جزء من سؤال أكبر يواجه السودان اليوم
أي دولة نريد أن نبني بعد الحرب؟
هل نعيد إنتاج الصراعات القديمة بأدوات جديدة، أم نستفيد من قسوة التجربة لنؤسس دولة أكثر تماسكاً وعدلاً وقدرة على حماية مواطنيها؟
إن إعادة ترتيب الصفوف الداخلية يمكن أن تكون فرصة تاريخية إذا تحولت من مجرد إعادة توزيع للمواقع إلى إعادة بناء حقيقية للمؤسسات
فالسودان لا يحتاج فقط إلى نهاية للحرب، بل يحتاج إلى بداية جديدة
بداية تعود فيها الدولة إلى دورها، ويعود المواطن إلى مركز الاهتمام، ويعود القانون مرجعية للجميع، وتتحول موارد البلاد من تمويل الصراع إلى بناء المستقبل
لقد كانت معركة الكرامة، بكل ما حملته من تضحيات وآلام، اختباراً صعباً لقدرة الدولة والمجتمع على الصمود
أما الاختبار القادم، فهو أكثر تعقيداً
هل يستطيع السودانيون أن ينتصروا للسلام كما انتصروا للصمود، وأن يحولوا نهاية الحرب إلى بداية لبناء دولة تستوعب الجميع؟
ذلك هو التحدي الحقيقي أمام إعادة ترتيب الصفوف
وذلك أيضاً هو المعنى الأعمق للمرحلة المقبلة
أن ينتقل السودان من إدارة الحرب إلى هندسة الدولة، ومن الدفاع عن الوطن إلى بناء المستقبل .
