السبت, أغسطس 15, 2026
الرئيسيةمقالاتمسارب الضي | يكتبها | د. محمد تبيدي ...

مسارب الضي | يكتبها | د. محمد تبيدي البرهان يعود إلى القصر الجمهوري.. حين تستعيد الدولة هيبتها من قلب العاصمة

علي حد قولي:
يا جيشَنا يا درعَ الوطن والسند
في عيدك التاني والسبعين المجد
سالمين غانمين آمنين يا جند
ربنا يحفظكم ويديم السودان بلد

لم تكن عودة رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان إلى القصر الجمهوري بالخرطوم مجرد انتقال جغرافي من بورتسودان إلى العاصمة، ولا مجرد عودة مسؤول إلى مكتبه بعد غياب طويل وإنما هي لحظة سياسية وعسكرية ودبلوماسية ورمزية تختصر في مشهد واحد مساراً طويلاً من الحرب، والصمود، واستعادة مؤسسات الدولة لمواقعها الطبيعية.
بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، باشر البرهان مهامه رسمياً من داخل القصر الجمهوري، وتسلم أوراق اعتماد عدد من السفراء الجدد، في مشهد يحمل دلالات تتجاوز مراسم الاعتماد ذاتها. وقد تزامنت الخطوة مع عودة مؤسسات الدولة إلى العاصمة واستعادة القصر الجمهوري بعد أعمال الإصلاح والترميم.
وهنا السؤال: ماذا يعني أن يعود رئيس مجلس السيادة إلى القصر الجمهوري؟
أولاً: الدلالة السياسية.
القصر الجمهوري ليس مبنىً إدارياً عادياً إنه أحد أهم رموز السيادة السودانية. ومنه تُدار شؤون الدولة، وتُستقبل الوفود، ويُخاطب العالم باسم السودان.
وعندما يباشر رئيس الدولة أعماله من الخرطوم، فإن الرسالة السياسية الأولى هي أن العاصمة عادت لتكون مركز القرار الوطني، وأن الدولة لا تزال قائمة بمؤسساتها ورموزها، وأن الحرب مهما كانت قسوتها لم تستطع إسقاط مؤسسات الدولة أو إلغاء مركزها السيادي.
وقد سبق ذلك بالفعل عودة مجلسي السيادة والوزراء للعمل من الخرطوم، وعقد اجتماع مشترك بينهما في يناير 2026، باعتباره تدشيناً عملياً لعودة الحكومة إلى العاصمة.
ثانياً: الدلالة العسكرية.
من الناحية العسكرية، لا يمكن فصل عودة البرهان إلى القصر عن التحولات التي شهدتها الخرطوم ومحيطها.
فالقصر الجمهوري كان واحداً من أبرز رموز الصراع على العاصمة، والسيطرة عليه أو استعادته لم تكن مسألة مبنى فقط، بل كانت جزءاً من معركة السيطرة على مركز الدولة ورمزها.
وعليه فإن وجود القائد العام للقوات المسلحة داخل القصر بعد استعادة العاصمة يمثل رسالة واضحة بأن ميزان القوة تغيّر، وأن المؤسسة العسكرية التي كانت تقاتل لاستعادة العاصمة أصبحت قادرة على تأمين مركز الدولة ومؤسساتها.
لكن الأهم أن الرسالة العسكرية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها إعلان نهاية الحرب فالسودان لا يزال أمام تحديات أمنية وعسكرية كبيرة في عدد من الجبهات. إنما المعنى الأدق هو أن الدولة أصبحت أكثر قدرة على إدارة معركتها من مركزها السياسي، بدلاً من إدارة الدولة من خارج العاصمة بسبب ظروف الحرب.
ثالثاً: الدلالة الدبلوماسية.
ولعل اختيار لحظة العودة إلى القصر لاستقبال واعتماد السفراء الجدد يحمل رسالة دبلوماسية شديدة الذكاء.
فالدبلوماسيون لا يقدمون أوراق اعتمادهم إلى مدينة، وإنما إلى دولة ذات سيادة ومؤسسات ورئاسة معترف بها في النظام الدولي.
وعندما يستقبل البرهان السفراء داخل القصر الجمهوري، فإن السودان يبعث برسالة إلى المجتمع الدولي مفادها: هنا مؤسسات الدولة، وهنا مركز القرار، وهنا العاصمة التي تستعيد عافيتها.
وهذه الرسالة مهمة في ظل محاولات الحرب إنتاج واقع سياسي جديد، أو تقديم السودان باعتباره دولة منقسمة بين مراكز نفوذ متعددة.
عودة رأس الدولة إلى القصر تقول ببساطة: السودان دولة واحدة، وعاصمته الخرطوم، ومؤسساته السيادية تعمل من داخلها.
رابعاً: الدلالة النفسية والمعنوية.
الحروب لا تُحسم فقط بالمدفع والطائرة والدبابة هناك حرب أخرى تدور في ميدان المعنويات.
وعندما يرى المواطن السوداني القصر الجمهوري مفتوحاً، ومؤسسات الدولة تعمل، ورئيس مجلس السيادة يدخل من بوابته، والسفراء يقدمون أوراق اعتمادهم، فإن الصورة تحمل أثراً نفسياً كبيراً.
إنها صورة الدولة التي تعود إلى الحياة.
وهي رسالة إلى المواطن الذي عاش سنوات من الخوف والنزوح والانقطاع عن مؤسسات الدولة بأن الخرطوم ليست مدينة مهجورة، وأن عجلة الدولة بدأت تدور من جديد.
وقد أشارت تقارير سابقة إلى أن عودة المؤسسات إلى الخرطوم ترافقت مع عودة الأسواق والمواطنين والحياة العامة تدريجياً، بما جعل العاصمة تستعيد شيئاً من صورتها السيادية.
خامساً: الرسالة إلى الداخل.
العودة أيضاً تحمل رسالة إلى القوى السياسية والمجتمعية والمسلحة كافة: مركز الدولة ليس ملكاً لحزب، ولا جماعة، ولا مليشيا، ولا تيار سياسي.
الدولة أكبر من الجميع.
ومن هنا فإن استعادة هيبة الدولة لا تعني هيبة شخص، وإنما تعني هيبة القانون والمؤسسات والجيش والشرطة والقضاء والخدمة المدنية، وتعني أن السلاح لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة.
وإذا كانت الحرب قد كشفت خطورة تعدد مراكز القوة، فإن مرحلة ما بعد الحرب يجب أن تؤسس لعكس ذلك تماماً: جيش وطني واحد، مؤسسات أمنية رسمية واحدة، وقانون يسري على الجميع.
سادساً: الرسالة إلى الخارج.
عودة البرهان إلى القصر الجمهوري تقول للعالم أيضاً إن السودان ليس فراغاً سياسياً يمكن ملؤه بمشروعات خارجية، ولا ساحة مفتوحة لإنتاج سلطات موازية.
وهذه نقطة شديدة الحساسية في المرحلة المقبلة، لأن المعركة السياسية بعد الحرب ستكون في جزء كبير منها معركة الاعتراف بشرعية المؤسسات الوطنية، وإعادة بناء العلاقات الخارجية، وجذب الدعم لإعادة الإعمار، وتهيئة البيئة السياسية للسلام والاستقرار.
ومن هنا فإن القصر الجمهوري يتحول من مجرد رمز للسيادة إلى منصة دبلوماسية لإعادة تقديم السودان للعالم.
سابعاً: هيبة الدولة.
وهنا مربط الفرس.
أكبر دلالة في عودة البرهان إلى القصر الجمهوري ليست البرهان نفسه، وإنما عودة هيبة الدولة.
فالدولة التي يعود رئيسها إلى عاصمتها، وتعمل حكومتها من داخل العاصمة، وتستقبل السفراء، وتعيد تشغيل مؤسساتها، وتبدأ إعمار بنيتها التحتية، هي دولة تقول إن الحرب لم تنجح في إلغاء وجودها.
لكن هيبة الدولة لا تُبنى بالمراسم وحدها.
هيبة الدولة الحقيقية تظهر عندما يشعر المواطن بالأمن، ويجد الشرطة في الشارع، والقضاء يعمل، والمدارس تفتح أبوابها، والمستشفيات تستقبل المرضى، والكهرباء والمياه والخدمات تعود، ويصبح القانون فوق الجميع.
القصر يمكن أن يُرمم في أشهر، لكن هيبة الدولة تحتاج إلى بناء طويل يبدأ بإعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ولذلك فإن عودة البرهان إلى القصر يجب ألا تكون نهاية مشهد، بل بداية مرحلة.
مرحلة عنوانها: الدولة أولاً.
دولة لا تسمح بالسلاح خارج مؤسساتها، ولا تسمح بالعبث بسيادتها، ولا تجعل المواطن رهينة للصراع السياسي، ولا تسمح بتحويل الخرطوم إلى ساحة مفتوحة للمغامرات.
يا سادة…
في السياسة، الرموز أحياناً تتحدث أكثر من الخطب.
وفي العسكرية، المواقع لها دلالاتها.
وفي الدبلوماسية، المكان جزء من الرسالة.
وفي وجدان الشعوب، القصر الجمهوري ليس حجراً وأسمنتاً إنه عنوان للسيادة.
ولذلك فإن دخول البرهان إلى القصر الجمهوري بعد سنوات الحرب يحمل رسالة تتجاوز شخص الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان إلى معنى أكبر: أن الدولة السودانية عادت لتجلس في مقعدها الطبيعي داخل عاصمتها.
ويبقى التحدي الأكبر: أن تتحول هذه الصورة الرمزية إلى واقع معاش، وأن تتحول عودة القصر إلى عودة كاملة للدولة، وأن تتحول استعادة الخرطوم إلى استعادة للأمن والخدمات والاقتصاد والقانون، وأن يكون السودان بعد الحرب أقوى مؤسسياً مما كان قبلها.
فالحرب قد تستعيد مدينة…
لكن الدولة لا تستعيد هيبتها إلا عندما يصبح القانون هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة.
وهنا نقولها بوضوح:
عودة البرهان إلى القصر الجمهوري مهمة، لكن الأهم أن تعود هيبة الدولة إلى كل بيت وشارع ومؤسسة في السودان.

وفي هذه المناسبة، نرفع أسمى آيات التحية والتقدير لقواتنا المسلحة السودانية الباسلة، وهي تحتفل بعيدها الثاني والسبعين، تحيةً للضباط والصف والجنود، ولشهداء الوطن وجرحاه وكل من حمل راية السودان دفاعاً عن أرضه وسيادته وكرامته.
كل عام وقواتنا المسلحة بألف خير، وصحة وسلامة، حفظكم الله ورعاكم، وجعلكم سالمين غانمين آمنين، وأنصر بكم الحق، وردّكم إلى أهليكم وبلادكم سالمين، وحفظ الله السودان وشعبه، ورحم شهداء الوطن، وعاجل بالشفاء للجرحى والمصابين، يا رب العالمين.

جيشاً واحداً… شعباً واحداً
والسودان أولاً وأخيراً.

وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات