الأربعاء, أغسطس 12, 2026
الرئيسيةمقالاتمن أبوجا إلى بارا… هل يبحث مناوي عن طريق ثالث أم عن...

من أبوجا إلى بارا… هل يبحث مناوي عن طريق ثالث أم عن موقع جديد في السودان القادم؟ بقلم/ إسماعيل شريف

في 9 أغسطس ظهر مناوي في كمبالا، متحدثًا إلى الجالية السودانية عن العودة والبناء وإعادة الإعمار، وفي اليوم التالي وصل جوبا لبحث تطورات الحرب وسبل إنهائها، معلنًا طرح رؤية الكتلة الديمقراطية للسلام والحوار السوداني–السوداني.
فهل كانت كمبالا مجرد محطة؟ أم أن الرحلة استكشاف لبداية إعادة تموضع سياسي؟

مناوي ليس سياسيًا تقليديًا. إنه ابن حركة مسلحة، خاض تجربة أبوجا، انتقل منها إلى السلطة مساعدًا للرئيس عمر البشير، ثم عاد إلى المعارضة المسلحة بعد خلافات حول تنفيذ الاتفاق، قبل أن يعود إلى العملية السياسية ويصبح حاكمًا لإقليم دارفور، ثم يقف اليوم إلى جانب القوات المسلحة في الحرب.
هذه السيرة تجعل من الصعب قراءة تحركاته بمنطق التحالفات الثابتة.
فمناوي يعرف أن اتفاق السلام لا يعني بالضرورة نهاية الصراع، وأن القوة العسكرية تمنح صاحبها مقعدًا على الطاولة، لكنها لا تضمن له موقعًا دائمًا بعدها.
وتأتي زيارته الى كمبالا بعد معارك بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة في شمال كردفان، التي شاركت فيها قواته إلى جانب الجيش، وسقط خلالها أحد أبرز قادته العسكريين، اللواء عبد العزيز إسماعيل أبكر «نيري» الشهير بمستر هجوم .
ومن هنا يصبح السؤال سياسيًا أكثر منه عسكريًا
هل بدأت الحركات تفكر في اليوم التالي للحرب قبل أن تنتهي الحرب؟
كمبالا نفسها تحمل مفارقة لافتة؛ فقد استقبل الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني في فبراير قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وهو موقف انتقده مناوي. واليوم يظهر مناوي في العاصمة ذاتها.
لكن المفارقة ليست دليلًا على تغير موقفه، ولا توجد معلومات موثوقة تثبت اتفاقًا سياسيًا جديدًا أو لقاءً سريًا. فالسياسة الإقليمية أكثر تعقيدًا من أن تختزل في استقبال دولة لخصم ثم زيارة خصمه لها.
الأهم أن مناوي لم يتوقف في كمبالا، بل انتقل إلى جوبا، حيث أصبحت لغة الرحلة أكثر سياسية إنهاء الحرب، الحوار السوداني–السوداني، والسلام والاستقرار.
وجوبا ليست عاصمة بعيدة عن الحسابات السودانية؛ فهي الأكثر التصاقًا بتداعيات الحرب، من الحدود واللاجئين والنفط إلى الأمن ومستقبل التسوية.
وهنا يظهر السؤال الذي قد يكون أهم من سؤال «كمبالا»

هل يبحث مناوي عن طريق ثالث؟

إذا كان المقصود طريقًا بين الجيش والدعم السريع، فلا توجد مؤشرات كافية على ذلك. فمواقفه المعلنة ما زالت أقرب بوضوح إلى معسكر الجيش، ورفضه للدعم السريع كقوة عسكرية مستقلة معروف.
لكن «الطريق الثالث» قد يعني شيئًا آخر وهو فتح
مساحة سياسية مستقلة داخل التحالف الذي يقف فيه.
أي أن يبقى مع الدولة والجيش، دون أن يذوب فيهما؛ وأن يحتفظ لحركته ودارفور والكتلة الديمقراطية بوزن تفاوضي مستقل في أي تسوية قادمة.
وهذا الاحتمال يصبح أكثر أهمية مع تآكل صلابة التحالفات السودانية. فمقاتلون وقادة غادروا الدعم السريع إلى جانب الجيش، ومن بينهم النور قبة الذي رحب مناوي بعودته. وهذه التحولات لا تعني بالضرورة أن مناوي ذاهب إلى «تأسيس»، بل تعني أن الانتقال بين المواقع لم يعد مستحيلًا كما كان.
ومع ذلك، فإن اختزال مناوي في «البراغماتية» وحدها لا يكفي. فالرجل يحمل تجربة سياسية طويلة، لكن غياب الانتماء إلى حزب تقليدي يجعله أكثر مرونة وأقل ارتباطًا ببرنامج مؤسسي ثابت.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي

هل يستطيع تحويل القوة العسكرية إلى مشروع سياسي؟

فالحركات المسلحة قد تكسب الأرض، لكنها تخسر ثقة المواطن إذا حملت معها إلى المناطق التي تسيطر عليها مظاهر الجبايات أو نقاط التفتيش أو الاستيلاء على الممتلكات أو سوء التعامل.
والمواطن الذي أنهكته الحرب لا يريد استبدال قوة مسلحة بأخرى.
يريد دولة.
وهذا هو التحدي الأكبر أمام مناوي والحركات هو الانتقال من منطق السلاح إلى منطق الدولة.
كما أن تجربة أبوجا ستظل حاضرة. فالمطلوب في أي تسوية جديدة لن يكون مجرد منصب أو حصة في السلطة، وإنما ضمانات حقيقية بشأن دارفور، والسلاح، والعدالة، والمواطنة، وشكل الدولة.
ومن هنا يمكن قراءة حديث مناوي في جوبا عن الحوار السوداني–السوداني باعتباره جزءًا من معركة ما بعد الحرب، لا مجرد خطاب سياسي عابر.
لكن الطريق ما زال مفتوحًا على أكثر من احتمال.
قد يبقى مناوي داخل معسكر الدولة ويتحول إلى أحد أركان ترتيبات ما بعد الحرب.
وقد يلعب دور الجسر بين قوى سودانية مختلفة.
وقد يسعى إلى مساحة سياسية أكثر استقلالًا لحركته ودارفور.
وقد تظهر لاحقًا ترتيبات جديدة لا نراها اليوم.
لذلك لا تكفي كمبالا وحدها لإثبات تغيير التحالفات، ولا تكفي جوبا لإعلان مسار جديد. لكن الرحلة بين العاصمتين تقول شيئًا مهمًا إن بعض قادة الحرب بدأوا يتحركون سياسيًا قبل أن تنتهي الحرب عسكريًا.
فالسؤال لم يعد فقط من يربح المعركة؟ ولكن من سيملك موقعًا على طاولة اليوم التالي؟
ومناوي، الذي تعلم من أبوجا أن السلام قد يكون بداية لصراع آخر، يبدو أنه يفكر مبكرًا في تلك الطاولة. هل يدخلها قائد حركة؟ أم ممثلًا لدارفور؟ أم شريكًا في الدولة؟ أم أحد صانعي التسوية؟

من كمبالا إلى جوبا، لم تتضح الإجابة بعد. وربما لا يكون مناوي قد اختار الطريق الثالث؛ لكنه بالتأكيد بدأ يتحرك بحثًا عن موقع لا يخسره عندما تتوقف المدافع.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات