لا شيءَ يَدْعُو لِلذُّهُولِ فِي زَمَنِ العَجَائِبِ كَمَا تَدْعُو هَذِهِ التَّسْرِيبَاتُ الصَّحَفِيَّةُ الَّتِي تَتَهَادَى بَيْنَ الأَرْوِقَةِ؛ عَنْ خِطَابٍ يَتَقَدَّمُ بِهِ المَحَامِي نَبِيل أَدِيب، يَلتَمِسُ فِيهِ مِنْ أَعْلَى هَرَمِ السُّلْطَةِ “عَفْواً” عَنْ قِيَادَاتِ الظِلِّ المُمَثَّلَةِ فِي (قَحْت) — الجَنَاحِ السِّيَاسِيِّ لِمَلِيشِيَا آلِ دَقْلُو الإِرْهَابِيَّةِ!
ليست كل الأبواب التي تُفتح تقود إلى المصالحة، فبعضها قد يفتح على جحيم الأسئلة، ويوقظ في الذاكرة ناراً ظن الناس أنها خمدت تحت رماد الصبر. وما تسرب طلب المحامي نبيل أديب فتح نافذة واسعة على سؤال أكبر من الأشخاص والمواقف: هل يمكن أن تُطوى صفحات الدم بقرار سياسي، بينما ما تزال صفحات المأساة مفتوحة في كل بيت سوداني؟
إن أخطر ما في مثل هذه الدعوات أنها تأتي وكأن الحرب مجرد خلاف سياسي لحظي يمكن تجاوزه بتسوية بين النخب، بينما الحقيقة التي يعرفها كل سوداني أن البلاد لم تعش أزمة سياسية فحسب، وإنما تعرضت لجرح وطني غائر خلف وراءه آلاف الضحايا والناجين والمكلومين.
فمليشيا آل دقلو الإرهابية لم تترك خلفها دماراً في المباني أو خراباً في المؤسسات، ولكنها تركت خراباً في الأرواح، وندوباً في الذاكرة، وقصصاً موجعة يعجز القلم عن حملها. هناك نساء تعرضن لانتهاكات قاسية، وبعضهن حملن أطفالاً في ظروف مأساوية، أطفال جاءوا إلى الحياة وهم يحملون أسئلة الهوية والانتماء قبل أن يحملوا أسماءهم. وهناك أسر تنتظر عودة مفقودين غابوا قسراً، وتركوا وراءهم مقاعد فارغة وقلوباً معلقة بين الأمل والخوف.
وهناك آباء وأمهات فقدوا أبناءهم، وأطفال فقدوا سندهم، وبيوت نهبت وسرقت حصيلة أعمار أصحابها في لحظات غدر، بعد سنوات طويلة من الكد والتعب وبناء حياة كريمة. وما ظهر من حجم الفظائع ليس إلا جزءاً من صورة أكبر، فهناك ملفات لم تُفتح بعد، وحكايات لم تجد طريقها إلى الضوء.
نعم، قد يملك رئيس الدولة، بحكم موقعه الدستوري والسياسي، صلاحيات تتعلق بالعفو العام في إطار ما يراه من مصالح وطنية، لكن هناك مساحة لا تصل إليها أي سلطة سياسية؛ إنها مساحة حقوق الضحايا. فليس من السهل أن يُطلب من أم فقدت ابنها أن تنسى، أو من ناجية تحمل آثار المأساة أن تتجاوز، أو من أسرة تبحث عن مفقودها أن تقبل بإغلاق الملف قبل أن تعرف الحقيقة.
فالعدالة ليست انتقاماً، والقصاص ليس تشفياً، وإنما هو الحاجز الأخير الذي يمنع تكرار المأساة، ويحفظ معنى الدولة، ويؤكد أن دماء الأبرياء ليست رقماً في نشرات الأخبار ولا ورقة في طاولة التفاوض.
إن أي محاولة للقفز فوق آلام السودانيين أو التعامل مع جراحهم وكأنها عقبة أمام التسويات السياسية ستكون استفزازاً لمشاعر شعب أنهكته الحرب، ودفع ثمناً باهظاً دفاعاً عن وجود الدولة ومستقبلها. فالشعوب قد تصبر على الفقر، وقد تتحمل تبعات الحروب، لكنها لا تنسى بسهولة من هدم أمنها وأهان كرامتها وانتهك حرماتها.
والفريق أول البرهان، وهو يقود البلاد في هذه المرحلة العصيبة، يدرك أكثر من غيره أن شرعية المواقف لا تُبنى فقط على الحسابات السياسية، وإنما على ثقة الشعب الذي وقف خلف الدولة في أصعب لحظاتها. وأي خطوة تُفهم بأنها تجاوز لآلام الضحايا أو مكافأة لمن ارتبطوا بمشروع الحرب ستصنع فجوة عميقة بين القيادة والشارع.
فالقضية ليست قضية أفراد، ولا خلافاً بين تيارات سياسية، إنها قضية وطن جُرح في كبريائه، وشعب يريد أن يرى ميزان العدالة مستقيمًا قبل أن تُرفع رايات المصالحات.
إن السلام الحقيقي لا يُولد من دفن الحقائق، ولا من مطالبة الضحايا بالنسيان، ولا من تجاوز الدماء بحبر الاتفاقات. السلام الذي لا يحمل في داخله عدلاً مؤسساً ليس سوى هدنة مؤجلة لانفجار جديد.
أما أوجاع السودانيين التي خلفتها هذه الحرب، فهي أكبر من أن تُختزل في قرار، وأعمق من أن تُمحى بتوقيع. لقد توزعت على القلوب حتى ضاقت بها القلوب، ولو قسمت على أمم الأرض لحملتها بصعوبة.
ومن يظن أن ذاكرة الشعوب يمكن محوها بقرار سياسي، فليتذكر أن الجراح قد تلتئم فوق الجلد، لكنها تبقى شاهدة في أعماق الروح… وأن صوت الضحايا، مهما طال الصمت، سيظل أعلى من كل الموائد وأقوى من كل التسويات.
