ميلاد تحالف استراتيجي جديد
في خطوة تعد من أبرز التحولات الهيكلية في خارطة التحالفات الأمنية بالشرق الأوسط، وقعت كل من المملكة العربية السعودية وتركيا وجمهورية باكستان الإسلامية في قصر الصفا بمكة المكرمة اتفاقية تاريخية تعرف بـ “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”.
ترسخ هذه الاتفاقية الثلاثية مبدأ الردع الجماعي، حيث تنص صراحة على أن “أي هجوم مسلح ضد أي من الدول الثلاث يعد هجوماً ضدها جميعاً” مستوحية بذلك روح الردع المشترك على غرار المادة الخامسة لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ولكن بصبغة إقليمية إسلامية مستقلة.
أولاً: الدوافع والسياق السياسي والأمني
جاء توقيع الاتفاقية تتويجاً لمسار طويل من المباحثات، وتعزيزاً لاتفاقية الدفاع الثنائية السابقة التي جمعت الرياض وإسلام آباد، وتتضافر عدة عوامل إقليمية ودولية لدفع هذه الأطراف نحو هذا التقارب العميق:
1- الاضطرابات الأمنية وتصاعد التهديدات الإقليمية: يأتي الاتفاق على وقع تصاعد النزاعات في المنطقة، لما في ذلك التوترات المرتبطة بالحرب الإقليمية وتداعياتها المباشرة على أمن الخليج وممرات الطاقة، فضلاً عن التهديدات المستمرة المتمثلة في الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
2- تراجع الثقة في المظلات الأمنية التقليدية: تسعى القوى الإقليمية الكبرى نحو “الاعتماد الذاتي الأمني” في ظل تباين الرؤى وانحسار اليقين المطلق بشأن التزام الضامن التقليدي (الولايات المتحدة) بحماية أمن الحلفاء الإقليميين بنفس الكفاءة السابقة.
3- تكامل القدرات الاستراتيجية: يمثل المثلث (السعودي – التركي – الباكستاني) مزيجاً فريداً ومتكاملاً، حيث تقدم المملكة القوة المالية والثقل السياسي والاقتصادي، وتساهم تركيا بصناعات دفاعية متطورة وخبرة عسكرية عريضة، بينما توفر باكستان العمق البشري العسكري الكبير والقدرات النووية الاستراتيجية.
ثانياً: البنود والملامح الرئيسية للاتفاقية
- مبدأ الدفاع المتبادل: اعتبار أي عدوان خارجي على الرياض أو أنقرة وإسلام آباد عدواناً مباشراً على الأطراف الثلاثة.
- التعاون العسكري والصناعي: تعزيز التنسيق الاستخباري، وتطوير الصناعات الدفاعية المشتركة، وزيادة وتيرة المناورات والتمارين العسكرية المتبادلة.
تستند الاتفاقية في شرعيتها من الناحية القانونية إلى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بحق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي.
ثالثاً: الانعكاسات على أمن منطقة الشرق الأوسط
تترك “اتفاقية مكة” بصمات واضحة على معادلات القوة والاستقرار الإقليمي من خلال عدة مسارات:
1- ميزان الردع الإقليمي: خلق كتلة صلبة قادرة على ردع أي طموحات توسعية أو هجمات عدائية محتملة من أطراف إقليمية منافسة، مما يعزز الاستقرار النسبي عبر رفع كلفة أي مغامرة عسكرية ضد دول التحالف.
2- الاستقلالية الاستراتيجية الخليجية: تظهر الاتفاقية تحول دول الخليج نحو تنويع خياراتها الأمنية وبناء شراكات وثيقة مع قوى إسلامية وازنة، مما يقلل من حالة الاعتماد الأحادي وبمنح الرياض مناورة دبلوماسية وعسكرية أكبر.
3- التفاعل مع القوى الدولية (واشنطن وغرب آسيا): يرى مراقبون أن واشنطن قد ترحب بهذا التوجه من باب “تقاسم الأعباء الأمنية” وتخفيف الضغط عن القوات الأمريكية، شريطة ألا يتعارض مع المصالح الاستراتيجية الغربية. وفي المقابل، تثير الاتفاقية حذر قوى إقليمية ودولية أخرى مثل إسرائيل والهند اللتين تراقبان عن كثب تطورات هذا التكتل العسكري الجديد.
4- مستقبل الأمن الجماعي الإسلامي: تفتح الاتفاقية الباب أمام نموذج جديد للتعاون الأمني مع تأكيد الأطراف الموقعة على أن التحالف دفاعي بحت وليس موجهاً ضد طرف ثالث، بل هو متاح لانضمام دول إقليمية أخرى تؤمن بالاستقرار في المنطقة بعيداً عن الحروب.
الخاتمة:
تدشن “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” مرحلة جديدة تتخلى فيها المنطقة عن سياسة الاعتماد المطلق على الخارج، نحو بناء منظومة أمنية ذاتية ومستدامة، وعلى الرغم من التحديات المتعلقة بآليات التنفيذ العملياتي والاندماج المؤسسي الكامل، إلا أن مجرد إرساء هذا الحلف الثلاثي بين عواصم ذات ثقل رئيسية يغير قواعد اللعبة السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط برمتها.
بقلم / عميد شرطة (حقوقي)
محمد علي عبدالله عبد الدائم
