الإثنين, أغسطس 10, 2026
الرئيسيةمقالاتحين يصبح الإنسان أرخص ما في الوطن ...

حين يصبح الإنسان أرخص ما في الوطن الكاتبة الإعلامية… عبير نبيل محمد

وهنا خطُّ قلمي… وجعٌ لم يعد يئن من كثرة الألم.

رغم أننا كشعب سوداني، نتحمّل أكثر وأكثر، ونبتسم، وننطق بتلك الكلمة السحرية التي زُرعت فينا منذ المنشأ:

«الحمد لله… ماشي الحال».

كلمةٌ لا نقولها لأن الحال دائمًا بخير، بل لأننا شعبٌ تعلّم أن يحمد الله في السراء والضراء، وأن يجد في الإيمان نافذةً صغيرة حين تضيق كل النوافذ.

ومن هنا، ربما، اعتادت الحكومات المتعاقبة أن تصفعنا كل مرة كما تشاء، دون خجلٍ أو ندم. لماذا؟

لأنها اعتادت أن تسمع منا:

«الحمد لله على كل حال».

حتى صار الصبر في نظر البعض قدرةً لا تنفد، وصار احتمال المواطن بابًا مفتوحًا لمزيد من الأزمات.

فبُني اقتصادٌ يدفع الناس إلى البحث عن النجاة بأي وسيلة، وفُتحت أبوابٌ للسرقة والفساد والمحسوبية، وصِيغت سياسات الجوع والفقر والأزمات وكأن المواطن هو الحلقة الأسهل في كل معادلة.

أبدعنا في الصبر… وتفنّنوا في امتحانه.

وكلما طفحت أزمةٌ فوق مستنقع الحياة، ظهر من يقدّم نفسه حاكمًا أمينًا علينا، بينما ظلّ الشعار الحقيقي الذي حكمنا طويلًا:

لا أفهم… لا أتدخل… أريد فقط أن أعيش.

وفي الأثناء، كان الجميع يعيث في الأرض فسادًا، والوطن يدفع الثمن.

كل يوم أزمة جديدة.

كل يوم معركة جديدة مع أصحاب عقولٍ لا ترى في الوطن إلا مساحةً للصراع، بينما أصحاب الكلمة والعلم والخبرة يُدفعون إلى الهامش، وكأنهم أشباه بشر في وطنٍ لا يعرف كيف ينصف أبناءه.

واليوم، لم تعد أزماتنا أرقامًا تُكتب في التقارير.

الأزمة صارت ليلًا بلا كهرباء، وماءً لا يصل، وبيتًا يترقب الفرج، وأسرةً تحاول أن تدبّر يومها بما تبقى لديها.

صارت العتمة خوفًا إضافيًا.

وصار الليل طويلًا على من لا يملك حتى أبسط وسائل الأمان.

صار المواطن يحسب حساب كل شيء؛ الماء، والخبز، والدواء، والكهرباء، ومصاريف الغد، وحتى الطريق الذي يمشي فيه حين تغيب الإضاءة.

ومع ذلك نقول:

الحمد لله… ماشي الحال.

نقولها ونحن نعرف أن الحال ليس ماشيًا كما ينبغي، لكننا نقولها لأننا لا نملك إلا أن نتمسك بالله، وبما تبقى في أرواحنا من قدرة على الاحتمال.

وأنا، كمواطنة سودانية، لا أملك اليوم إلا أن أرفع صوتي.

أعلن الحداد على وطنٍ كان يُسمّى السودان.

وأعلن صرخة الذين لا لسان لهم؛ أهلي البسطاء الذين لا يملكون منصاتٍ ولا نفوذًا ولا قدرةً على الوصول إلى أصحاب القرار.

أعلن الحداد على دماءٍ سالت من أجل كرامة الإنسان، ثم أصبح الإنسان نفسه أرخص شيءٍ في هذا الوطن.

سامحوني، يا إخوتي الذين سبقتمونا إلى الجنان…

لقد كان ظننا أن انتهاء الحرب والتخلص من المليشيات سيعيدان للوطن أمانه، وأن نهاية القتال ستكون بدايةً للحياة.

لكن أي أمانٍ هذا؟

وأي حرية؟

وأي أحلامٍ بقيت لنا؟

إذا كان الوطن بعد كل هذا الألم لا يزال يُدار بمنطق الغلبة، وإذا كان سادة القوم هم الغربان التي تحوم فوق ما تبقى من هذا الوطن…

فماذا بقي لنا؟

نساء بلدي توشّحن السواد حدادًا.

ليس على من رحلوا فقط…

بل على وطنٍ نخشى أن نبحث عنه فلا نجده.

على وطنٍ ماتت فيه الأحلام قبل أن تموت الأجساد.

على وطنٍ أصبح فيه المواطن يسأل عن الخبز والكهرباء والأمان، بينما تُطرح فوق رأسه أسئلة السلطة والنفوذ والمصالح.

نحن لا نريد وطنًا يطلب منا أن نحمد الله على كل صفعة.

نريد وطنًا لا يحتاج فيه المواطن إلى الصبر كي يعيش.

نريد دولةً يكون فيها الإنسان أغلى من المنصب، وأغلى من الحزب، وأغلى من السلاح، وأغلى من الذهب.

نريد وطنًا لا يكون فيه «الحمد لله… ماشي الحال» غطاءً دائمًا لفشلٍ لا ينتهي.

نريد أن تبقى «الحمد لله على كل حال» كلمة إيمانٍ ورضا بالله، لا ذريعةً يتكئ عليها من أخفق في حق هذا الشعب.

فأنا اليوم لا أبكي السودان الذي نعرفه فقط…

أنا أبكي السودان الذي كان يجب أن يكون.

وأقولها من بين الركام، لا كمن فقد الأمل، بل كمن يرفض أن يدفن الوطن حيًّا:

لا… ليس هذا هو السودان الذي نحلم به.

وإذا كان لا بد من حداد…

فليكن حدادنا على زمنٍ جعل الإنسان أرخص ما في الوطن.

ثم لنبدأ من جديد…

من الإنسان.


توقيعي…

سلامٌ وأمان… فالعدلُ ميزان.

أنا الرسالة حين يضيع البريد،
أنا امرأةٌ من حبر النار.

لقد حرقتم وطننا،
وسحقتم أحلامنا،
وأغرقتم عقولنا في سواد الجهل.

جعلتم السارق بطلًا،
والأمين مجرمًا،
وتفننتم فينا في كل أنواع العذاب.

أما نحن، فكانت كلمتنا دائمًا:

الحمد لله…

لأن لنا يقينًا بالله لا تهزه المحن،
ولأننا نؤمن أن لكل مظلومٍ دعاء،
وأن دعوة المظلوم لا تضيع.

✍️ عبير نبيل محمد
امرأة من حبر النار

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات