السبت, أغسطس 8, 2026
الرئيسيةمقالاتالسودان في هندسة الأمن الجديدة. ...

السودان في هندسة الأمن الجديدة. قلم/ إسماعيل شريف

نادراً ما تتغير خرائط النفوذ في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي بمعزل عن البحر الأحمر، الذي ظل عبر التاريخ أحد أهم الممرات التي تتقاطع عندها المصالح الدولية والإقليمية. ولذلك فإن قراءة التحولات الأمنية الأخيرة، وفي مقدمتها اتفاقية مكة للدفاع المشترك وما سبقها من تحركات واجتماعات عسكرية في المنطقة، لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الدول المعنية، بل تمتد إلى سؤال أكثر أهمية ماذا تعني هذه التحولات للسودان والقرن الأفريقي؟
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، جرى التعامل مع الأزمة غالباً باعتبارها صراعاً داخلياً ذا أبعاد إنسانية وأمنية. لكن التطورات الإقليمية تعيد وضع السودان داخل معادلة أوسع؛ فموقعه الجغرافي، وساحله على البحر الأحمر، وصلته بالقرن الأفريقي ووادي النيل والخليج، تجعل استقراره جزءاً من حسابات الأمن الإقليمي.
وقد عاد البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة إلى مقدمة الحسابات الاستراتيجية، بفعل التهديدات التي طالت الملاحة الدولية، والتنافس على الموانئ وخطوط التجارة والطاقة، وتصاعد اهتمام القوى الكبرى بتأمين هذا الممر الحيوي. وبذلك لم يعد أمن البحر الأحمر قضية بحرية منفصلة، بل أصبح ملفاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً متكاملاً. وقد عززت التطورات الأخيرة هذا الاتجاه، من خلال البحث عن أطر دفاعية أكثر تنسيقاً لحماية الممرات البحرية ومواجهة التهديدات المشتركة.
وفي هذا السياق يمكن قراءة التحركات الأمنية والعسكرية الأخيرة، ومنها اجتماعات رؤساء أركان عدد من جيوش المنطقة، ثم اتفاقية مكة للدفاع المشترك، باعتبارها جزءاً من اتجاه أوسع نحو إعادة تنظيم البيئة الأمنية في الإقليم. فالاتفاقية التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان في مكة لا تقتصر على التعاون الدفاعي، بل تنص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، بما يمنح الترتيب الجديد بعداً ردعياً واضحاً.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن المنطقة تتجه إلى حرب شاملة، أو أن هذه الترتيبات موجهة ضد طرف واحد، لكنه يعكس إدراكاً متزايداً لدى دول الإقليم بأن البيئة الأمنية أصبحت أكثر تعقيداً، وأن الاعتماد على أنماط التحالف التقليدية وحدها لم يعد كافياً لمواجهة التحديات الجديدة.
وفي قلب هذه المعادلة يقف القرن الأفريقي، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر المناطق جذباً للاهتمام الدولي، بسبب التنافس على الموانئ وطرق التجارة والتحولات السياسية والأمنية في إثيوبيا والصومال وإريتريا وجيبوتي. ولذلك أصبح من الصعب الفصل بين أمن الضفتين العربية والأفريقية للبحر الأحمر.
أما السودان، فيملك مقومات جغرافية تؤهله لأن يكون أحد أهم الفاعلين في هذه المنظومة. فهو يمتلك ساحلاً استراتيجياً على البحر الأحمر، ويقع عند نقطة التقاء العالم العربي بالعمق الأفريقي، ويجاور منطقة تشهد تنافساً متزايداً على الموانئ والممرات البحرية والنفوذ.
غير أن الحرب حدّت من قدرة السودان على توظيف هذه المزايا، وحولته من فاعل محتمل في ترتيبات الأمن الإقليمي إلى ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين.
وهنا تكمن المفارقة.
ففي الوقت الذي يعاد فيه تشكيل التوازنات الأمنية في المنطقة، يغيب السودان، بسبب أزمته الداخلية، عن كثير من النقاشات التي يمكن أن ترسم مستقبل الإقليم. وليس من مصلحته أن يبقى مجرد مساحة جغرافية تتنافس عليها القوى المختلفة، بينما يفترض أن يكون شريكاً في صناعة الاستقرار.
ومن المرجح أن تزداد أهمية السودان في السنوات المقبلة؛ ليس فقط بسبب موقعه على البحر الأحمر، وإنما لأن استقراره يرتبط بصورة مباشرة باستقرار محيطه. فاستمرار الحرب ينعكس على الأمن الإقليمي من خلال النزوح، والاضطراب الاقتصادي، وأمن الحدود، وحركة التجارة، واتساع مساحة التنافس الجيوسياسي.
لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع النفوذ.
الموقع يمنح السودان الفرصة، أما تحويل الفرصة إلى دور سياسي واستراتيجي فيحتاج إلى دولة مستقرة، ومؤسسات قوية، وقرار وطني موحد، ورؤية واضحة لمصالح السودان في الإقليم.
ولعل أهم ما تكشفه التحولات الراهنة هو أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة، تتولى فيها القوى الإقليمية دوراً أكبر في إدارة أمنها، بالتوازي مع استمرار حضور القوى الدولية. ولذلك فإن المنافسة المقبلة لن تكون فقط على النفوذ، وإنما على القدرة على صياغة قواعد اللعبة الجديدة.
ويبقى السؤال هل يستطيع السودان، بعد انتهاء الحرب، استعادة موقعه الطبيعي بوصفه جسراً بين العالم العربي والقرن الأفريقي، وشريكاً في معادلات الأمن الإقليمي؟ أم أن استمرار الصراع سيجعل الآخرين يعيدون رسم خريطة المنطقة في غيابه؟
لقد منحت الجغرافيا السودان موقعاً لا يمكن تجاهله، لكن التاريخ يؤكد أن الموقع وحده لا يصنع الدور. فالأدوار تصنعها الدول المستقرة، والمؤسسات القوية، والرؤى الاستراتيجية.
وإذا كانت المنطقة تدخل اليوم مرحلة جديدة من إعادة تشكيل منظومتها الأمنية، فإن التحدي أمام السودان لا يكمن فقط في كيفية التكيف معها، بل في امتلاك القدرة على المشاركة في صناعتها، لا الاكتفاء بتلقي آثارها.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات