لم يعد هناك اتساع لمزيدٍ من المناورات، ولا متسع من الوقت لإعادة تدوير البضائع السياسية الفاسدة. لقد كشفت الأزمة الراهنة حقيقة كانت غائبة أو مُغيبة: إن كل محاولة لفرض “تسوية” قسريّة تُساوي بين الشرفاء والذين باعوا الموقف الوطني في سوق المزادات الخارجية، هي مجرد محاولة لتأجيل الانفجار لا حلّه، وغسل لأيدي الذين استرخصوا دماء الشعب وسيادة البلاد.
إن التسوية التي تسعى لفتح أبواب الحوار على مصراعيها لمن خانوا الإرادة الوطنية ليست توافقاً، بل هي شرعنة للخيانة تحت مسميات “المرونة” و”احتواء الجميع”. لا يجوز بحال من الأحوال أن يُصبح الوطن ساحة للترضيات على حساب ثوابته القومية، ولا أن تُمنح القوى التي ارتضت لنفسها دور الأداة للمشاريع الخارجية فرصة جديدة لتحديد شكل المستقبل.
الفرق شاسع بين “التوافق الوطني” الذي يجمع كافة التيارات والقوى الحية حول هدف حماية الدولة ومؤسساتها، وبين “التسوية الهشة” التي تُغلق الملفات العالقة دون محاسبة. الأول يبني حاضنة صلبة تحمي البلاد، والثاني يزرع لغماً موقوتاً في أركان الدولة سيتفجر في أول أختبار قادم.
لقد سقطت أقنعة التسوية الخادعة، وتبدّت البوصلة بوضوح لا يقبل اللبس: السودان ملكٌ لأبنائه الذين انحازوا لترابه وشعبه في أحلك الظروف، أما الذين تماهوا مع مخططات التفكيك وسعى كل منهم لتحقيق أطماعه الحزبية الضيقة على حساب الوطن، فقد كتبوا نهاية تاريخهم السياسي بأيديهم.
آخر الكلام:
وإلى أولئك الذين اختاروا خندق الخيانة ورهنوا إرادتهم للخارج: اعلموا أن الرهان على انكسار هذا الشعب هو رهان خاسر، وأن شرعية الوجود السياسي لا تُمنح في العواصم الأجنبية ولا تُشترى بالدعم المشبوه. لقد طويتم بأيديكم آخر صفحاتكم في كتاب هذا الوطن، ولا عودة لمن صافح اليد التي سفكت دم السودانيين، ولا مقعد لكم في قطار المستقبل؛ فالأوطان قد تغفر العثرات، لكنها أبداً لا تتسامح مع من يبيعها في المزاد.
