" إلى من يزرعون الشقاق... للتاريخ حراس، وللحقيقة أقلام لا تُشترى."
هناك فرقٌ كبير بين من عاد إلى الوطن ليعتذر، وبين من عاد ليمنح نفسه حق توزيع الوطنية على الآخرين.
وهناك فرقٌ أكبر بين من كتب تاريخ الحرب بدمه، وبين من يحاول اليوم أن يكتبه بمنشور على وسائل التواصل.
لم يؤلمني ما كتبه إبراهيم بقال لأنه انتقد حركةً بعينها، بل لأن كلماته مست ذاكرة آلاف الأسر التي دفعت أبناءها إلى الميدان، ومست كرامة مقاتلين ما زال بعضهم يحمل الرصاص في جسده، وآخرون عادوا بأطراف مبتورة، وأمهات ما زلن ينتظرن أبناءً لن يعودوا أبدًا.
فحين تتحول التضحيات إلى أرقام، والشهداء إلى أسماء يُختار بعضها ويُهمَّش بعضها الآخر، نكون قد انتقلنا من معركة الدفاع عن الوطن إلى معركة أخطر… معركة اغتيال الذاكرة.
أيها السيد…
الوطنية ليست شهادة تمنحها لمن تشاء وتسحبها ممن تشاء.
فمن وقف في الخنادق لا يحتاج إلى شهادة منك، ومن استشهد دفاعًا عن السودان لا ينتظر اعترافًا من منشور على “فيسبوك”.
ما كتبته لم يكن قراءةً للتاريخ، بل محاولة لاختزال معركة وطن في أسماء ترضى عنها، وإلغاء أسماء كتبت حضورها بالدم.
التاريخ لا يُكتب بالانتقائية، ولا يُصاغ وفق المزاج، ولا يُختزل في صورة أو منشور أو موقف عابر، لأن كل شبر استُعيد من أرض السودان كانت خلفه تضحيات رجال من القوات المسلحة، والقوة المشتركة، والقوات المساندة، ومن قاتلوا جنبًا إلى جنب، لا يسأل أحدهم الآخر عن انتمائه وهو يتقدم نحو الموت.
المؤسف أن من عرف معنى الانقسام أكثر من غيره، كان أولى به أن يكون جسرًا بين المقاتلين، لا معولًا يهدم وحدتهم.
فالتوبة الحقيقية لا تبدأ بإدانة الآخرين، وإنما تبدأ بالتواضع أمام تضحياتهم.
ومن عاد إلى صف الوطن، فليحفظ لهذا الصف وحدته، لا أن يزرع فيه بذور الشك والتنافس على من يستحق لقب البطل.
فالذين يصنعون الفتنة لا يحملون السلاح دائمًا، بل قد يحملون هاتفًا، ومنشورًا، وكلماتٍ تبدو عابرة، لكنها تفتح جراحًا لم تلتئم بعد، وتمنح أعداء الوطن ما عجزوا عن تحقيقه في ميدان القتال.
إن أخطر ما يواجه الجيوش بعد الانتصارات ليس نقص الذخيرة، بل الأصوات التي تبدأ في تقسيم النصر، وتوزيع البطولة، وصناعة الاصطفافات الجديدة.
أما حركة العدل والمساواة السودانية، فلن تحتاج إلى شهادة من أحد.
فشهداؤها الذين ارتقوا في الفاشر، وكردفان، وفي كل جبهة، هم الذين كتبوا اسم الحركة بدمائهم.
وفي صفوفها مقاتلون عادوا بإعاقات دائمة، وأطفال كبروا أيتامًا، ونساء ترملن وهن يرفعن رؤوسهن لأن أزواجهن ماتوا وهم يؤدون واجبهم.
وفيها رجال ما زالوا يرابطون في خطوط النار، لم يلتفتوا إلى من يمدحهم، ولم يتوقفوا لأن أحدًا أنكر دورهم، لأنهم يعلمون أن قيمة التضحية لا يحددها منشور، ولا يمنحها إعجاب، ولا ينزعها رأي.
هذه التضحيات لا يمحوها منشور، ولا يلغيها رأي، ولا ينتقص منها من جاء متأخرًا إلى صف واحد يقاتل فيه الجميع.
وليعلم الجميع، أن حركة العدل والمساواة السودانية. لم تكن يومًا تبحث عن تصفيق الإعلام، بل كانت تبحث عن أداء الواجب، وأن دماء شهدائها ليست مادةً للمقارنة، بل أمانة في أعناق الأحياء.
إن الوفاء للشهداء لا يكون برفع صورهم في المناسبات، وإنما بحماية الحقيقة من التزييف، وصون تاريخهم من الاختزال، وعدم السماح لأحد بأن يحوّل تضحياتهم إلى وسيلة للمفاضلة بين أبناء الخندق الواحد.
فالذين رحلوا لم يسألوا قبل استشهادهم: من سيُنسب إليه النصر؟
بل سألوا: هل سيبقى السودان؟
أخشى على السودان من الرصاصة، لكنني أخشى أكثر من الكلمة التي تمزق الصف بعد أن جمعته الدماء.
فالمعارك لا تُكسب فقط بالسلاح، بل تُهزم أيضًا حين يتحول بعض المنتصرين إلى تجار للبطولات، وبعض العائدين إلى دعاة فرقة.
لن نسمح بأن تتحول دماء الشهداء إلى مادة للمزايدة، ولن نقبل أن يُختزل تاريخ الرجال في منشور عابر، لأن الوطن أكبر من الأشخاص، والبطولة أكبر من أن يحتكرها أحد.
وليعلم كل من يظن أن بإمكانه إعادة كتابة ذاكرة الحرب بما يوافق هواه، أن ذاكرة الشعوب لا تُمحى، وأن أسماء الشهداء لا تحتاج إلى إذنٍ لتبقى، وأن الرجال الذين كتبوا تاريخهم بالدم لن تمحو آثارهم كلماتٌ كتبت على عجل
توقيعي…
أنا الرسالة حين يضيع البريد… أنا امرأةٌ من حبر النار.
فما خطَّه الشهداء بدمائهم لا تمحوه الكلمات، ولا يعلو على صدقه ضجيجُ المنصات.
سلامٌ على أرواحٍ ارتقت، وفي جنان الرحمن تنعَّمت، وفي ذاكرة الوطن خُلِّدت.
سلامٌ وأمان… فالعدل ميزان.
✍️ عبير نبيل محمد
