الثلاثاء, يوليو 28, 2026
الرئيسيةمقالاتمشروع إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني حلقة (9) "الدولة لا تُبنى بالإرادة...

مشروع إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني حلقة (9) “الدولة لا تُبنى بالإرادة وحدها… بل بعقدٍ يحدد معنى المواطنة قبل معنى السلطة.”

بقلم الأستاذ/ زكريا علي عبدالرسول
كاتب ومحلل سياسي

● العقد الاجتماعي في السودان… لماذا فشل التأسيس الأول؟
في الحلقة السابقة تناولنا إشكالية الهوية الوطنية، وكيف يمكن أن تتحول من إطار جامع إلى مساحة صراع إذا غابت العدالة في تمثيل التنوع، أو إذا تحولت ٠.
في هذه الحلقة ننتقل إلى الأساس الذي يُفترض أن يُبنى عليه أي مشروع دولة حديثة، وهو العقد الاجتماعي: ذلك التفاهم الضمني أو الصريح بين الدولة والمجتمع حول الحقوق والواجبات، ومعنى المواطنة، وحدود السلطة، ومصادر الشرعية.
إن العقد الاجتماعي في جوهره ليس وثيقة قانونية فقط، بل هو تصور مشترك للعلاقة بين المواطن والدولة. فالدولة تمنح الحماية والخدمات والعدالة، والمواطن يمنحها الاعتراف والطاعة السياسية ضمن إطار القانون.
لكن في الحالة السودانية، لم يكتمل هذا العقد بالشكل الذي يضمن استقراره واستمراره. فبعد الاستقلال، ورث السودان دولة حديثة في شكلها، لكنها لم تُبنَ على توافق اجتماعي شامل يعيد تعريف المواطنة والسلطة والعدالة بصورة جديدة تتجاوز الإرث الاستعماري والانقسامات التاريخية.
لقد كان التأسيس الأول للعقد الاجتماعي هشّاً، لأنه لم ينجح في الإجابة عن سؤال جوهري: من هو المواطن السوداني داخل الدولة الجديدة؟ وهل هو فرد متساوٍ في الحقوق والواجبات، أم عضو في جماعة وسيطة تحدد علاقته بالدولة؟
هذا الغموض في تعريف المواطنة ظل ينعكس على كل المراحل اللاحقة، حيث تداخلت الدولة مع البنى التقليدية، وتفاوتت فرص الوصول إلى السلطة والثروة، ولم تتبلور فكرة الدولة المحايدة التي تقف على مسافة واحدة من الجميع.
ومع مرور الزمن، لم يعد العقد الاجتماعي مجرد إشكال نظري، بل تحول إلى أزمة عملية تتجلى في ضعف الثقة بين المواطن والدولة، وفي استمرار النزاعات حول السلطة، وفي غياب الإجماع حول شكل الدولة نفسها.
ومن أهم أسباب هذا الفشل أيضاً أن العقد الاجتماعي لم يُبْنَ عبر عملية تشاركية شاملة، بل كان في كثير من الأحيان نتيجة تسويات سياسية محدودة بين نخب، دون إشراك واسع لكل مكونات المجتمع. وهذا جعل شرعيته ناقصة منذ البداية.
كما أن استمرار النزاعات السياسية والانقلابات العسكرية أضعف إمكانية ترسيخ أي عقد مستقر، لأن العقد الاجتماعي يحتاج إلى استمرارية مؤسسية وثبات في قواعد اللعبة السياسية، وليس إلى إعادة إنتاج دائمة للصراع على السلطة.
وفي ظل هذا الضعف، ظل المواطن يبحث عن مصادر بديلة للحماية والانتماء خارج إطار الدولة، سواء عبر الهوية المحلية أو البنى الاجتماعية أو النفوذ غير الرسمي، وهو ما عمّق من هشاشة العقد نفسه.
إن فشل العقد الاجتماعي لا يعني غيابه الكامل، بل يعني أنه موجود بشكل غير مستقر، قابل للانهيار أو إعادة التفاوض في كل لحظة أزمة سياسية. وهذا ما يجعل الدولة في حالة عدم استقرار مزمن.
ومن هنا فإن أي مشروع لإعادة تأسيس الدولة لا يمكن أن يتجاهل ضرورة إعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس جديدة، تقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة المؤسسية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وضمان عدم احتكار الدولة من قبل فئة أو مركز واحد.
كما يتطلب هذا المشروع إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، عبر مؤسسات قوية ومحايدة، وقانون يُطبق على الجميع دون استثناء، بحيث يشعر المواطن أن انتماءه للدولة هو مصدر حماية لا مصدر تهديد.
إن العقد الاجتماعي ليس مجرد اتفاق سياسي، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه كل عناصر الاستقرار. وعندما يضعف هذا الأساس، تصبح كل الحلول السياسية مؤقتة وهشة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في الحالة السودانية ليس فقط كيف نحكم؟ بل كيف نتفق أولاً على معنى أن نكون دولة واحدة ومواطنيها متساوين في الحقوق والواجبات.

في الحلقة القادمة…
العنف السياسي وتفكك الدولة… لماذا يصبح السلاح لغة السياسة؟
سنناقش كيف يتحول العنف من استثناء إلى وسيلة سياسية، ولماذا تفشل بعض الدول في احتكار القوة، وكيف يؤثر انتشار السلاح على بنية الدولة والمجتمع، وما علاقة ذلك بانهيار الثقة المؤسسية.

هذه المقالة جزء من مشروع فكري متسلسل بعنوان “إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني”، وتُقرأ ضمن سياقها العام، حيث تمثل كل حلقة لبنة في بناء رؤية فكرية متكاملة لإعادة فهم الدولة السودانية وإعادة تأسيسها على أسس جديدة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات