السبت, يوليو 25, 2026
الرئيسيةمقالاتتصريح "شمبات".. هل حانت لحظة الحسم أم تحرّكت مناورات السياسة ؟ ...

تصريح “شمبات”.. هل حانت لحظة الحسم أم تحرّكت مناورات السياسة ؟ بقلم/ د. اسماعيل الحكيم


شمباتُ رمزُ النضال العصيُّ على الانكسار، وقلعةُ البطولة التي لطالما شكّلت رأس الحربة في الحراك الثوري والروح الجهادية للأمة السودانية، كانت الشاهدَ والمشهدَ لخطابٍ مفصلي. فمن هذه الأرض الضاربة في أدبيات التضحية، أطلق رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان عبارته الحاسمات: لن تقوم للدعم السريع قائمة بعد اليوم . هذا التصريح المدوي سار في الفضاء الإسفيري سريان النار في الهشيم، ليضع الشعب السوداني الصابر بين حدَّين لا ثالث لهما: إما بشارةٌ بجهوزية استثنائية للجيش تقضي على المليشيا وتنهي مأساة الوطن، وإما مناورةٌ سياسية مسبوكة لامتصاص التذمر الشعبي المتزايد من طول أمد الحرب وتفاقم المعاناة.
يقود هذا التصريح القاطع الرأي العام إلى ثنائية لا ثالث لها في تفكيك الموقف الراهن:
إما أن يكون الجيش قد استكمل بالفعل ترتيباته الميدانية واللوجستية، ووصل إلى مرحلة القناعة التفوقية التي تمكنه من إنهاء وجود القوى المتمردة. وإن صحّ هذا السيناريو، فإن تصريح شمبات هذا ينزل على قلوب الملايين في الداخل والخارج كأعظم بشارة طال انتظارها؛ إذ يعني اقتراب نهاية كابوس تمزقت معه جغرافيا الوطن وأُنهكت فيه كرامة المواطن.
أو أن يكون التصريح وليد لحظة تفاعلية مع حماس الجنود، أو خطوة سياسية مسبوكة لكسب المزيد من الالتفاف الشعبي وصنع حائط صد أمام حالة التململ التي بدأت تتسرب إلى الشارع نتيجة تطاول أمد الحرب. وهنا تكمن الخشية؛ فإن المراهنة على أمل عريض دون غطاء ميداني ناجز قد ترتد عكسياً على الثقة العريضة التي يمنحها الشارع لمؤسسته الوطنية.
وعند قراءة خطابات البرهان عبر محطات الحرب المختلفة، نجد مساراً متذبذباً بين لغة الوعيد الحاسمة ومرونة التفاوض الدبلوماسي. لطالما تحركت الخطابات الرسمية في المساحة الفاصلة بين الحسم العسكري والجلوس في منابر التفاوض. غير أن تصريح شمبات جاء بحدّية غير مسبوقة لتُغلق النوافذ الخلفية للحلول الوسط وتضع القيادة في مواجهة مباشرة مع التزاماتها المعلنة. إن الانتقال من أدبيات الدعوة للسلام بشرط الخروج من الأعيان المدنية إلى عبارة لن تقوم لهم قائمة يُعد تحولاً جذرياً في النبرة السياسية، وذلك إما أنه يؤسس لواقع ميداني جديد، أو يرفع سقف التوقعات إلى حدٍّ لا يحتمل الخطأ.
فهل يعي البرهان حجم ومآلات هذه التصريحات التي تتلقفها وسائط التواصل الاجتماعي وصنعت منها رأياً عاماً لا يرحم؟
إن المواطن السوداني الذي صمد أمام الغلاء، وانقطاع الخدمات، والانفلات الأمني في كثير من المناطق، لم يعد يملك رفاهية الصبر على الوعود الوردية وبيانات الطبطبة . إذ لم يعد الخطاب العسكري في أوقات الأزمات الوجودية تعبئة معنوية، وإنما عقد أخلاقي وسياسي بين القيادة والشعب ، ووعد ملزم بالايفاء وتحقيق المرجو ..
إن التاريخ السياسي والعسكري لا يُكتب بالكلمات التي تُقال في منصات التعبئة، ولكن بمدى تطابقها مع واقع الأرض. لقد وضع الفريق البرهان بتصريحه الأخير مصداقية الخطاب الرسمي على المحك ، فالشارع السوداني الذي رحّب بالكلمات وينتظر أثرها، لن يقبل بعد اليوم بغير “طحين” الحسم واقعاً ملموساً يُعيد للوطن هيبته وللمواطن أمنه واستقراره.
وتبقى الأيام القادمة وحدها الكفيلة بإجابة السؤال المفصلي: هل كانت شمبات نقطة الانطلاق لنهاية المأساة، أم كانت مجرد محطة جديدة في أدبيات إدارة الأزمة؟

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات