السبت, يوليو 25, 2026
الرئيسيةمقالاتبين استيراد الأفكار واستنساخ التاريخ: لماذا تعثر المشروع الوطني رقم (٢) ...

بين استيراد الأفكار واستنساخ التاريخ: لماذا تعثر المشروع الوطني رقم (٢) د. الهادي عبدالله أبوضفائر

هل أصابتنا لعنة الموارد ام لعنة الأخلاق، أخطر ما يصيب الانسان ليس خسارة الحرب ولكن حين يعجز ان يتعلم منها، منذ ميلاد الدولة ونحن نبحث عن شماعة نختزل فيها المأساة. هل المشكلة فيما نملك ام في الطريقة التي ندير بها ما نملك.

كثير ما نلتمس المبررات للفشل فريق يرده إلى ما يسميه علماء الاقتصاد السياسي (لعنة الموارد) التي تتحول إلى وقود صراع بدل التنمية. وآخرون يعزونه الي لعنة الجغرافيا أو إرث المستعمر أو التدخلات الخارجية أو الانقسام القبلي والطائفي. وكل هذه التفسيرات تحمل شيئاً من الحقيقة، لكنها تعجز عن تفسير السؤال الأكثر إلحاحاً، لماذا تتحول هذه العوامل إلى أسباب للهدم بينما في دول أخرى تتحول إلى مصادر قوة؟.

النرويج تمتلك النفط ولم تتحول إلى دولة حرب. تمتلك بوتسوانا الألماس ولم تغرق في الفوضى. سنغافورة خرجت من مجتمع متعدد الأعراق والأديان لتبني واحدة من أكثر الدول ازدهاراً. رواندا خرجت من إبادة جماعية لكنها أعادت بناء الدولة على أساس المواطنة. ألمانيا واليابان خرجتا من دمار شامل بعد الحرب العالمية الثانية لتصبحا من أعمدة الاقتصاد العالمي. ولو كانت الموارد، التعدد أو الحروب هي اللعنة، لما استطاعت هذه الأمم أن تعيد كتابة تاريخها.

اذن مصيبتنا ليست في الموارد ولا في القبائل ولا حتى أزمة أنظمة سياسية، وإنما أزمة عقل سياسي يعيد إنتاج شروط انهياره. وهنا أقترح توصيفاً يمكن تسميته (القابلية لإعادة إنتاج الصراع).

ذكرت في المقال السابق حديث مالك بن نبي عن القابلية للاستعمار، مبيناً أن المستعمر لا يجد موطئ قدم إلا حين يسبقَه ضعفٌ داخلي في بنية المجتمع. غير أننا واجهنا ظاهرة مختلفة، إذ خرج المستعمر، بينما بقيت الذهنية التي تُنتج الانقسام وتعيد تشكيله بأسماء جديدة. فقط انتقلنا من القابلية للاستعمار إلى (القابلية لإعادة إنتاج الصراع).

غالبية حروبنا تنتهي باتفاقات سلام، لكن لا يؤدي إلى دولة مواطنة. لأنها تعالج توزيع السلطة، اكثر مما تعالج الثقافة التي تنتج الصراع. فتتغير الأسماء وتتبدل الوجوه وتوقع المواثيق بينما تبقى الجذور التي انبنت الأزمة دون علاج.

وهنا تتجلى أهمية ما سماه أنطونيو غرامشي الكتلة التاريخية. فهي ليست تحالفاً انتخابياً ولا صفقة لتقاسم المناصب وإنما توافقٌ بين القوى الاجتماعية حول ميثاق تتقدم فيه الدولة على الطائفة والوطن على الحزب والمستقبل على الثأر وتحكمه الاخلاق. غالب تحالفاتنا لإدارة السلطة، لا لبناء الدولة، ولذلك تنهار بانهيار مصالح أطرافها.

أما دوغلاس نورث، فقد بيّن أن الفارق بين الدول ليس في وفرة مواردها، وإنما في نوعية مؤسساتها. فالمؤسسات ليست مباني حكومية، وإنما هي القواعد التي تحكم السلوك حاكماً كان أو محكوماً. وعندما تكون القواعد مستقرة وعادلة، تصبح المنافسة على خدمة الدولة. وعندما تكون هشة، تتحول إلى السيطرة عليها، من اجل الثروة والسلاح والقرار.

بينما عبّر دارون عجم أوغلو وجيمس روبنسون في كتابهما «لماذا تفشل الأمم»، حين فرّقا بين المؤسسات الشاملة التي توزّع الفرص، والمؤسسات الاستخراجية (Extractive Institutions) التي تُسخّر الدولة لخدمة فئة محدودة. إلا أننا إضافنا بعداً آخر تسقط النخب، وتظل المؤسسات الاستخراجية باقية، فتأتي نخب جديدة لتستخدم الأدوات نفسها وإن رفعت شعارات مختلفة. فالمشكلة تكمن في النموذج الذهني.

ابتلينا بلعنة غياب المعيار الأخلاقي، فالموارد لا تفسد الأوطان بذاتها، وإنما يفسدها حين يغيب الميزان الذي تُوزن به الأفكار، وتُقاس به المواقف، ويُقدَّم فيه الصالح العام على المصلحة الخاصة. فالأمم لا تنهض بكثرة ما تملك، بل بعدالة ما تحتكم إليه.

القرآن علَّمنا أن القوة المادية مهما بلغت، لا تصنع حضارة إذا انفصلت عن القيم فقد آتى الله قارون من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، ولكن الثروة حين انفصلت عن الأخلاق تحولت إلى سبب للهلاك. وأقام يوسف عليه السلام نهضةً اقتصادية لأنه جمع بين الأمانة والكفاءة كما قال تعالى: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)، فكانت الأمانة معياراً للأخلاق، والعلم معياراً للإدارة.

الإسلام لم يجعل الأخلاق فضيلةً هامشية، وإنما جعلها أساس الرسالة كلها، حين قال النبي ﷺ: (إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق). إنها عبارة تستحق التأمل لانها جاءت لتغيّر الإنسان وتبني المجتمع، وتقيم العدل، جعلت اكتمال الأخلاق غايتها الكبرى، لأن القوانين بلا ضمير تتحول إلى أدوات للهيمنة، والثروات بلا قيم تتحول إلى وقود للصراع.

معيار بناء الدولة حين قالت ابنة شعيب: (إن خير من استأجرت القوي الأمين). لم تسأل عن قبيلة موسى ولا عن نسبه ولا عن مذهبه فقط جمعت بين الكفاءة والنزاهة. وهذان الشرطان هما اللذان تقوم عليهما الدول الحديثة. لكننا استبدلنا هذا المعيار بالولاء والمحاصصة، حتى أصبح الانتماء إلى الجماعة أهم من القدرة على خدمة الوطن.

ومن هنا نشأت مفارقة خطيرة، فكل اتفاق سلام يرفع شعار العدالة، لكنه ينتهي غالباً إلى إعادة توزيع المناصب بين القوى المتصارعة. والمحاصصة، وإن بدت عادلة في ظاهرها، فإنها إذا أصبحت قاعدة دائمة عطّلت مبدأ القوي الأمين، ورسّخت فكرة أن الطريق إلى السلطة ليس الكفاءة فقط امتلاك القدرة على فرض الشروط بالسلاح أو بالنفوذ أو بالمظلومية.

السؤال الأهم ليس لماذا نحمل السلاح؟ لماذا أصبح السلاح أكثر فاعلية من الفكرة؟ ولماذا صارت المظلومية مشروعاً سياسياً بينما لم تصبح الكفاءة مشروعاً وطنياً؟.

الأمم لا تنهض حين تنتصر جماعة على أخرى وإنما حين تنتصر القاعدة على الاستثناء والمؤسسة على الشخص والقانون على القوة بنظام يجعل الكل يخضع لميزان العدالة.

الخروج من دائرة الصراع لن يبدأ باتفاق سياسي جديد ولا بثورة عابرة وإنما بثورة هادئة في الوعي تعيد تعريف مفاهيمنا الأساسية. فالنجاح السياسي يُقاس بالمؤسسات التي تستمر حتى بعد رحيل أصحابها. والوطنية ليست ولاءً لجماعة بل التزاماً بقواعد عادلة يخضع لها الجميع. والسلام ليس هدنة بين المتقاتلين، وإنما عقداً أخلاقياً واجتماعياً يجعل السلاح استثناء لا وسيلةً دائمة لإدارة الخلاف.

ما نحتاجه اليوم ليس مجرد حكومة جديدة، ولا دستور جديد، فقط فلسفة جديدة تؤسّس للأخلاق قبل السياسة وتعيد الاعتبار لمبدأ (القوى الامين) تكون الكفاءة مقرونة بالنزاهة والقدرة مصحوبة بالمسؤولية تجعل المواطن يثق بالمؤسسة أكثر مما يثق بالأفراد ويؤمن بأن مستقبله تصنعه القواعد لا الأشخاص.

نستطيع أن نكسر دائرة القابلية لإعادة إنتاج الصراع، وننتقل من وطن يستهلك نفسه في النزاعات إلى وطن يصنع الحضارة. فالتاريخ لا يعاقب الأمم لأنها أخطأت، بل لأنها تصر على تكرار الخطأ ولا يمنح فرصة جديدة إلا لمن يملك شجاعة مراجعة ذاته قبل أن يُحمّل الآخرين مسؤولية مصيره. فقط لو جعلنا حديث واحد منهجاً لحياتنا لتغيّر واقعنا قبل أن تتغيّر أنظمتنا. يقول النبي ﷺ: (آيةُ المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان). فالدول تُبنى بالأخلاق قبل أن تُبنى بالحجارة.
abudafair@hotmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات