الجمعة, يوليو 24, 2026
الرئيسيةمقالاتمِنْ حُلْمِ الثَّوْرَةِ إِلَى لَهِيبِ الحَرْب… حِينَ أَصْبَحَتْ أَحْلَامُ الوَطَنِ رُقْعَةَ شَطْرَنْجٍ...

مِنْ حُلْمِ الثَّوْرَةِ إِلَى لَهِيبِ الحَرْب… حِينَ أَصْبَحَتْ أَحْلَامُ الوَطَنِ رُقْعَةَ شَطْرَنْجٍ الكاتبةُ والإعلاميَّةُ/ عَبِيرُ نَبِيلٍ مُحَمَّد

الكاتبةُ والإعلاميَّةُ/ عَبِيرُ نَبِيلٍ مُحَمَّد

لا أرى أن أزمة السودان بدأت بالرصاصة الأولى، بل بدأت يوم تحولت الدولة إلى رقعة شطرنج، وأصبح الإنسان مجرد قطعةٍ تُحرَّك، لا لاعبًا يملك قراره.
فالسقوط الحقيقي لا يبدأ حين تنهار الجدران، بل حين تنهار المعاني التي كانت تحمي الوطن؛ حين يصبح الشعار أعلى من الحقيقة، والمصلحة أعلى من المسؤولية، والصمت أكثر أمانًا من قول ما يجب أن يُقال.
فما تعجز الحروب عن هدمه في سنوات، قد يهدمه انهيار القيم في وعي الأجيال بصمتٍ ودون ضجيج.
فالأوطان لا تنهار فقط حين تُهدم المدن، بل حين تتآكل القيم، ويصبح الخطأ قابلًا للتبرير، وتتحول الأسئلة المشروعة إلى عبءٍ على أصحابها.
على هذه الرقعة، لم يعد السؤال: من يربح الوطن؟
بل:
من يربح السلطة؟
ومن يربح النفوذ؟
ومن يربح المنصة؟
ومن يربح الجمهور؟
وحين تتقدّم حسابات الربح على قيمة الوطن، يصبح الخاسر الحقيقي هو الإنسان، وإن بدا للجميع أن هناك منتصرين.
وحين أصبحت المصالح هي اللاعب الحقيقي، تغيّرت وجوه القطع، لكن اللعبة بقيت كما هي.
فالمشكلة لم تكن يومًا في تغيير اللاعبين فقط، بل في بقاء الرقعة نفسها؛ رقعةٍ لم تُبنَ فيها قواعد عادلة تضمن أن يكون الوطن أكبر من المصالح، وأن يكون الإنسان أكبر من الصراع.
كلما تغيّر اللاعب، بقيت الرقعة كما هي.
تبدّلت الحكومات، وتعاقبت الأحزاب، وارتفعت الشعارات، لكن المواطن ظل يقف في المربع نفسه؛ ينتظر وطنًا لا يأتي، وعدالةً تتأخر، وقانونًا يُطبَّق على الجميع.
ولم يكن المواطن فاقدًا للإحساس بما يحدث، بل كان يرى التحولات من حوله، لكنه عاش طويلًا بين الخوف والانتظار؛ بين من يتحدث باسمه ومن يقرر عنه، حتى أصبح صوته أضعف من ضجيج الآخرين.
فحين يغيب صوت المواطن عن صناعة القرار، لا يعني ذلك غياب وعيه، بل يعني أن المسافة بينه وبين مؤسسات الدولة قد أصبحت أوسع مما ينبغي.
الأحزاب لم تنجح، في نظر كثيرين، في صناعة مشروعٍ وطني يجمع السودانيين، بقدر ما انشغلت بالصراع على المواقع، والجيوش دخلت معادلات السياسة، والسياسة دخلت معادلات القوة، حتى أصبح من الصعب الفصل بين من يحكم، ومن يقاتل، ومن يفاوض.
فحين تضعف المؤسسات، يصبح الوطن معرضًا لصراع القوى، وحين يغيب المشروع الجامع، تصبح المصالح قادرة على ملء الفراغ.
فالفراغ السياسي لا يبقى فراغًا طويلًا؛ إذ سرعان ما تملؤه قوى تبحث عن النفوذ، ولو كان الثمن مزيدًا من الانقسام.
وهنا لا تكون الخسارة في تبدّل الوجوه فقط، بل في استمرار السؤال نفسه دون إجابة: أين يقف المواطن من كل هذه المعادلات؟
وفي المنتصف…
وقف المواطن.
ليس لأنه اختار أن يكون بعيدًا عن المشهد،
بل لأنه لم يكن يومًا لاعبًا على الرقعة، بل وجد نفسه قطعةً تتحرك وفق حسابات الآخرين.
يدفع الثمن دائمًا، ويُطلب منه الصبر دائمًا، ويُقال له إن الغد أفضل، بينما يزداد حمله ثقلًا عامًا بعد عام.
فالمواطن الذي حلم بوطنٍ يسع الجميع، وجد نفسه بين وعود كثيرة وواقعٍ أثقل من الاحتمال؛ بين شعاراتٍ رفعت اسمه، وقراراتٍ لم يكن شريكًا في صناعتها.
ثم جاءت الحرب، فلم تخلق الأزمة من العدم، بل كشفت ما كان مخفيًا تحت طبقاتٍ من الشعارات.
فالحرب لم تكن بداية الحكاية، بل لحظة انكشاف؛ أظهرت ما تراكم من أزمات، وأسقطت الأقنعة التي أخفت طويلًا حجم الخلل.
فالحروب لا تصنع دائمًا الجروح الأولى، لكنها تكشف مواضع الألم التي ظلت مخفية تحت طبقات الصمت والتأجيل.
كشفت أن الفساد ليس سرقةَ مالٍ فقط، بل سرقةَ وعيٍ.
فالفساد حين يتحول إلى ثقافةٍ مقبولة، يصبح أخطر من الفساد كفعلٍ منفرد؛ لأنه لا يسرق الموارد فقط، بل يضعف قدرة المجتمع على مقاومته.
فالفساد الأخطر هو ذلك الذي يجعل الإنسان يعتاد الخلل، ويقبل بما كان يجب أن يرفضه، ويصمت عن الأسئلة التي كان يجب أن تُطرح.
وأن أخطر ما يُنهب من الشعوب ليس الذهب، بل قدرتها على السؤال.
فالسؤال ليس مجرد اعتراض، بل هو بداية الوعي، وغيابه يفتح الطريق أمام تكرار الأخطاء نفسها بأسماء ووجوه مختلفة.
فحين تفقد الشعوب حقها في السؤال، تفقد جزءًا من قدرتها على حماية مستقبلها.
لقد لمست الحرب جرحًا كان موجودًا قبلها؛ جرح الخوف الذي تمدد حتى أصبح حاضرًا في تفاصيل الحياة. لم يعد الخوف مجرد إحساس، بل أصبح أثرًا يحدد مواقف الناس، ويجعل الصمت أحيانًا أقرب من المواجهة.
كيف وصلنا إلى هنا؟
ولماذا صمتنا طويلًا؟
ومتى أصبحت المطالبة بالحقوق تهمة، بينما أصبح السكوت فضيلة؟
متى انقلبت الموازين حتى أصبح من قال الحق موضع شك، ومن أراد الإصلاح موضع اتهام، ومن كشف الحقيقة وكأنه هو المشكلة؟
“حين تصبح الحقيقة تهمة، فلا يكون الخلل في الكلمات، بل في واقعٍ يخشى الحقيقة أكثر مما يخشى الكذب.”
لقد تربت أجيال كاملة على انتظار من يتحدث باسمها، حتى جاءت المنصات، فنُصِّب أصحابها أوصياء على العقول، وأصبح عدد المتابعين عند البعض أقرب إلى شهادةٍ تمنح حق الحديث باسم وطنٍ كامل.
ولم تكن المنصات في ذاتها أزمةً؛ فالصوت حق، والتعبير حق، لكن الأزمة تبدأ حين تتحول المنصة إلى بديلٍ عن المعرفة، وحين تصبح الشهرة أقوى من الخبرة، والانتشار أعلى من الحقيقة.
فالمشكلة ليست في اتساع مساحة التعبير، بل في غياب المعايير التي تميز بين من ينقل المعرفة، ومن يصنع الضجيج.
لم يعد النقاش يبحث عن الحقيقة، بل عن الانتشار.
ولم يعد السؤال:
ماذا قيل؟
بل:
من قاله؟ وكم يملك من المتابعين؟
وهكذا تحولت الشهرة، في كثير من الأحيان، إلى سلطةٍ موازية، وأصبح التأثير يُقاس بالأرقام أكثر مما يُقاس بالمعرفة، حتى اختلط صوت الباحث بصوت الخبير، بصوت الباحث عن الشهرة، ولم يعد الجمهور يملك الوقت ليفرق بينهم.
وحين تصبح الشعبية معيارًا للحقيقة، يتحول الوعي العام إلى مساحةٍ مفتوحة للتأثر أكثر من التفكير، ويصبح المجتمع أكثر عرضة لتوجيه المواقف بدل بناء القناعات.
وحين يصبح عدد المتابعين شهادةً للمعرفة، تبدأ فوضى الوعي؛ لأن الوطن لا يُبنى بمن يملك أعلى صوت، بل بمن يحمل أصدق رؤية، وأكثرها مسؤولية.
وفي هذا الضجيج، تلاشى صوت المواطن.
لا لأن أحدًا منعه من الكلام، بل لأن الجميع صار يتحدث عنه، وقليلون من يستمعون إليه.
فأزمة المواطن لم تكن دائمًا غياب المنبر، بل غياب من يصغي إلى صوته بوصفه صاحب حق، لا مجرد جمهورٍ في معركة آراء.
ربما كانت أكبر خسائر السودان أن معركة الوعي تأخرت كثيرًا.
فالثورة ليست مجرد لحظة غضب، وليست الشعارات وحدها طريقًا للخلاص؛ فالثورات التي لا يرافقها وعيٌ غير قادر على البناء، قد تجد نفسها تعيد إنتاج الأزمات بأسماء جديدة.
فنجاح أي تغيير لا يُقاس فقط بقدرة الناس على إسقاط واقعٍ قديم، بل بقدرتهم على بناء بديلٍ أكثر عدلًا واستقرارًا.
فالحرية بلا وعي قد تتحول إلى فوضى، والشعارات بلا مسؤولية قد تصبح طريقًا آخر لإضاعة الوطن.
لأن الشعارات، مهما كانت نبيلة، لا تكفي وحدها لصناعة دولة؛ فالدول تُبنى حين تتحول القيم المعلنة إلى مؤسساتٍ وقوانين وممارسات.
فالفساد لم يكن في مؤسسة واحدة، ولا في حزب واحد، ولا في شخص واحد، بل في ثقافةٍ قبلت أن تعتاد الخطأ، وأن تتسامح مع الظلم، وأن تؤجل الأسئلة الصعبة حتى انفجرت في وجه الجميع.
وهنا كانت الخسارة الأكبر؛ أن يصبح الخطأ مألوفًا، وأن يصبح الاعتراض مخاطرة، وأن يصبح الإنسان مضطرًا إلى التعايش مع ما كان يجب أن يغيّره.
فالوطن لا يموت دفعةً واحدة؛ بل يضعف كلما صمت الناس عن حق، أو برروا ظلمًا، أو اعتادوا الفساد.
فالمجتمعات لا تفقد أوطانها في لحظة واحدة، بل تفقدها تدريجيًا حين يصبح التعايش مع الخلل أكثر سهولة من مواجهته.
لذلك، لا أبحث اليوم عن منتصرٍ في الحرب، لأن الوطن لا ينتصر حين يخسر أبناءه.
ولا أبحث عن بطلٍ جديد، لأن الأوطان لا تُبنى بالأبطال وحدهم، بل بمؤسساتٍ وقانونٍ وعدالةٍ ومواطنٍ يعرف أن حقه لا يُمنح، بل يُصان.
فالوطن ليس حزبًا يُختصر في جماعة، ولا قائدًا يُختصر في شخص، ولا منصةً تُختصر في أرقام؛ الوطن أوسع من الجميع، وأبقى من كل الصراعات.
فالأوطان لا تُختزل في من يملك السلطة، بل في قدرة الجميع على العيش تحت مظلة قانونٍ واحد وحقوقٍ مصانة.
وحب الوطن ليس شعارًا يُرفع عند الحاجة، ولا كلمةً تُقال في لحظة الخطر؛ حب الوطن مسؤولية، وعدالة، وكرامة إنسان، وحق مواطن أن يشعر بأنه شريك في وطنه، لا مجرد شاهدٍ على ما يحدث فيه.
فقد تنتهي المعركة، لكن أخطر الحروب هي التي تستقر في الوعي.
فانتهاء صوت السلاح لا يعني بالضرورة انتهاء أسباب الصراع، ما لم تُراجع الأفكار التي سمحت للأزمة أن تتجذر.
لذلك، لا يكفي أن تتوقف أصوات البنادق، إذا بقيت أسباب الأزمة حاضرة في العقول، وإذا بقيت ثقافة الإقصاء والفساد وغياب العدالة تبحث عن طريق جديد.
وربما لم يعد السؤال الحقيقي: من أشعل الحرب؟
بل:
كيف سمحنا، جميعًا بدرجات متفاوتة، أن يصل الوطن إلى لحظةٍ يصبح فيها الخراب أمرًا مألوفًا، والخوف جزءًا من الحياة، ويصبح الصمت أكثر حضورًا من الحقيقة؟
وكيف ننقذ الإنسان السوداني قبل أن نبحث عمّن انتصر في الحرب؟
فالسودان لا يحتاج فقط إلى نهاية حرب، بل يحتاج إلى بداية وعي؛ وعيٍ يعيد للإنسان مكانته، وللقانون هيبته، وللعدالة معناها.
فالوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالعدل، وسيادة القانون، ووعي الإنسان.
فالمستقبل لا تصنعه ذاكرة الألم وحدها، بل تصنعه القدرة على تحويل تلك الذاكرة إلى درسٍ يمنع تكرار المأساة.
هذه ليست حكاية انتصارٍ أو هزيمة، بل شهادةُ بحثٍ عن وطنٍ لم يفقد أبناءه فقط، بل فقد كثيرًا من المعاني التي كانت تجمعهم. وسيبقى السؤال مفتوحًا: هل نعيد بناء الوطن قبل أن نعيد بناء أنفسنا، أم سنواصل إعادة إنتاج سلطةٍ ملوَّثةٍ بالدماء بوجوهٍ جديدة؟
فما كُتب هنا ليس بحثًا عن مُدانٍ جديد، ولا دفاعًا عن طرف، بل محاولةٌ لقراءة الجذور التي أنبتت هذا الخراب؛ لأن الأوطان لا تتعافى بوصف جراحها فقط، وإنما بفهم أسبابها والبحث عن طريقٍ يعيد للإنسان مكانته.
سلامٌ وأمان… فالعدلُ ميزان.
أنا الرسالة حين يضيع البريد…
أنا امرأةٌ من حبر النار.
✒️ عَبِيرُ نَبِيلٍ مُحَمَّد

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات