بقلم/ د. لسماعيل الحكيم
ليست كل الحكمة تُكتب في بطون الكتب، ولا كل نظريات الحكم تُصاغ في الجامعات ومراكز البحوث. فبعضها يخرج من أفواه الرجال الذين خبروا الحياة، فعبرت كلماتهم الأجيال لأنها لامست جوهر الإنسان قبل أن تخاطب كرسي السلطان.
ومن هؤلاء الخليفة الشيخ ود بدر رحمه الله ، الذي لخّص مواصفات الحاكم الناجح في كلمات قليلة، لكنها أثقل من كثير من الدساتير والبرامج الحكومية. قال، في معنى حديثه، إن الحاكم ينبغي أن يحمل السهر، ويكون عنده ظهر، وعينه قهر، وعنده خلق، ويده طْلق. خمس خصال لو اجتمعت في رجل، لاستقامت له القيادة، ولو كانت على ثلاثة أشخاص، قبل أن تكون على دولة مترامية الأطراف.
يحمل السهر… أي أن ينام الناس ويظل هو يقظاً بهمومهم، يطارده وجع الرعية أكثر مما تطارده أحلام السلطة. فالحكم ليس وسادة وثيرَة، وإنما وسادة من شوك، لا يعرف النوم إليها إلا من مات ضميره.
وعنده ظهر… أي سند من الكفاءة والعزم والرجال الأمناء، لا من بطانة التهليل والتصفيق. فالحاكم الذي يحيط نفسه بأصحاب المصالح يضعف ظهره، وإن كثرت حوله المقاعد والرتب.
وعينه قهر… ليست قهراً للناس، وإنما قهرٌ للفساد، وهيبةٌ أمام المعتدين، ويقظةٌ لا تنام عن حقوق المواطنين. عين ترى الخلل قبل أن يتحول إلى كارثة، وترى المظلوم قبل أن يضيع صوته في زحام المكاتب.
وعنده خْلق… لأن السلطة بلا أخلاق تتحول إلى بطش، والمنصب بلا قيم يصبح امتيازاً شخصياً لا تكليفاً عاماً. الأخلاق هي الحارس الحقيقي للقرار السياسي، وهي التي تمنع القوة من أن تتحول إلى غرور.
ويده طلق… أي مبسوطة في قضاء مصالح الناس، سريعة في اتخاذ القرار النافع، لا تمسكها البيروقراطية، ولا تعطلها الحسابات الضيقة. فالناس لا يذكرون الحاكم بطول خطاباته، وإنما بما أنجزته يداه.
هذه ليست كلمات تراثية وكفى ، وإنما ميزان صالح لكل زمان. ولو أردنا أن نعرض عليه حكومات اليوم، لوجدنا أنفسنا أمام سؤال موجع: كم مسؤولاً يسهر حقاً؟ وكم مسؤولاً يملك ظهراً من الكفاءة لا من الولاءات؟ وكم عيناً تقهر الفساد قبل أن تقهر المواطن؟ وكم خلقاً بقي في زمن أصبحت فيه الصورة تسبق الجوهر؟ وكم يداً امتدت لإنجاز مصالح الناس قبل أن تمتد إلى عدسات المصورين؟
وهنا تقف حكومة الدكتور كامل إدريس أمام امتحان الرأي العام. فالمواطن الذي أنهكته الحرب لا يبحث عن مشهد إعلامي لافت، ولا عن صورة لمسؤول يجلس على الأرض ليتفقد مصباحاً في طريق، بقدر ما يبحث عن حكومة تجلس على أرض الواقع لتطفئ حرائق الاقتصاد، وتعيد الخدمات، وتبسط الأمن، وتبني مؤسسات الدولة.
فالسياسة ليست مسرحاً، والكاميرا ليست معيار النجاح. وما أكثر الصور التي ملأت الشاشات، وما أقل القرارات التي غيّرت حياة الناس. فالشعوب لا تأكل الوعود، ولا تشرب التصريحات، ولا تبني الأوطان بالمؤتمرات الصحفية، وإنما بالإدارة الرشيدة، والقرار الشجاع، والعمل الصامت الذي تتحدث نتائجه عنه.
إن السودان اليوم لا تنقصه الخطب، وإنما تنقصه دولة تستلهم حكمة الخليفة ود بدر قبل أن تستورد نظريات الإدارة الحديثة. دولة يكون فيها السهر على المواطن عبادة، وهيبة القانون فوق الجميع، والأخلاق عنوان السلطة، وخدمة الناس شرفاً لا منّة، والعمل الميداني وسيلة للإصلاح لا فرصة للاستعراض.
لقد قالها الشيخ ود بدر في كلمات معدودات، لكنها بقيت درساً لا يشيخ: الحكم ليس أن تُرى كثيراً، وإنما أن يشعر الناس بأثرك كثيراً. وبين الأثر والصورة… مسافة تصنعها القيادة الحقيقية، أو تبتلعها الدعاية.
