بقلم الأستاذ/ زكريا علي عبدالرسول
كاتب ومحلل سياسي
● المجتمع والدين والسياسة… كيف يُعاد تشكيل الوعي خارج مؤسسات الدولة؟
في الحلقة السابقة تناولنا كيف يتحول الاقتصاد من أداة تنمية إلى عنصر في إعادة إنتاج الصراع السياسي والاجتماعي، وكيف يمكن للفقر والاختلال التنموي أن يعيدا تشكيل الولاءات داخل المجتمع ويؤثرا على مفهوم الدولة نفسه.
في هذه الحلقة ننتقل إلى مستوى أعمق من تشكيل الوعي، وهو العلاقة بين المجتمع والدين والسياسة، وكيف تتداخل هذه الحقول في إنتاج تصورات الناس عن الدولة، والسلطة، والعدالة، والحق، بعيداً عن المؤسسات الرسمية.
فالدولة ليست المصدر الوحيد لتشكيل وعي المواطن، بل هناك مصادر أخرى لا تقل تأثيراً، وعلى رأسها المؤسسات الدينية، والبنى الاجتماعية التقليدية، وشبكات التأثير غير الرسمية التي تعمل داخل المجتمع وتعيد إنتاج المعنى باستمرار.
إن الدين، في جوهره، مصدر للقيم الأخلاقية والروحية التي تنظم علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين. لكنه في المجال العام قد يتحول، عندما يُوظف سياسياً أو اجتماعياً، إلى أحد أهم مصادر تشكيل الوعي السياسي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
وفي المجتمعات التي تعاني من ضعف الدولة أو تراجع ثقتها، تزداد أهمية هذه المرجعيات غير الرسمية، حتى تصبح أحياناً أكثر تأثيراً من القانون نفسه، وأكثر قدرة على توجيه السلوك الجمعي من مؤسسات الدولة.
وفي الحالة السودانية، لعبت البنى الاجتماعية والدينية دوراً تاريخياً في تنظيم الحياة العامة، وفي توفير أشكال من الاستقرار الاجتماعي حين غابت الدولة أو ضعفت. لكن هذا الدور، رغم أهميته، لم يكن دائماً منفصلاً عن السياسة، بل كثيراً ما تداخل معها، فتشكلت مساحات رمادية بين الديني والاجتماعي والسياسي.
ومع تطور الصراع السياسي، لم تعد هذه المرجعيات مجرد أدوات للتوجيه القيمي، بل أصبحت في بعض الحالات جزءاً من عملية الاستقطاب، حيث يتم توظيف الخطاب الديني أو الاجتماعي في دعم مواقف سياسية أو إضعاف أخرى.
وهنا يحدث التحول الخطير: عندما تتعدد مصادر إنتاج الحقيقة داخل المجتمع، دون وجود إطار وطني جامع ينظمها، يصبح كل مجتمع فرعي قادراً على إنتاج “حقيقته الخاصة”، وفقاً لمرجعياته ومصالحه وتصوراته.
وفي هذه الحالة، لا يعود هناك تعريف واحد للعدالة أو الدولة أو المواطنة، بل تتعدد التعريفات بتعدد مراكز التأثير، مما يضعف فكرة الإجماع الوطني، ويزيد من هشاشة العقد الاجتماعي.
إن خطورة هذا الوضع لا تكمن في وجود الدين أو المجتمع التقليدي، بل في غياب التوازن بين هذه المرجعيات وبين الدولة الحديثة. فالدولة القوية لا تلغي المجتمع، لكنها تنظم تعدد مصادر الوعي داخل إطار قانوني ومؤسسي جامع.
أما حين تضعف الدولة، فإن هذا التعدد يتحول من مصدر ثراء إلى مصدر انقسام، لأن كل مرجعية تبدأ في إنتاج خطابها الخاص حول الحق والعدالة والانتماء.
وهكذا يصبح المجتمع ساحة مفتوحة لتنافس الروايات، لا داخل إطار وطني موحد، بل داخل فضاء من التداخلات غير المنظمة، حيث تتقاطع السياسة بالدين بالمجتمع في إنتاج وعي معقد ومجزأ.
إن إعادة بناء الدولة في مثل هذا السياق لا تعني إقصاء الدين أو المجتمع، بل تعني إعادة تعريف العلاقة بينهم وبين الدولة، بحيث لا تتحول أي مرجعية إلى بديل عن الدولة، ولا تصبح الدولة نفسها خصماً لأي من هذه المرجعيات.
فالدولة الحديثة لا تقوم على احتكار الوعي، بل على تنظيمه داخل عقد اجتماعي واضح، يضمن التعدد دون أن يسمح بتحوله إلى فوضى مرجعية.
ومن هنا يمكن فهم أن معركة الدولة ليست فقط معركة مؤسسات، بل أيضاً معركة على تنظيم مصادر إنتاج الوعي داخل المجتمع، بما يضمن أن تظل الدولة هي الإطار الجامع، لا مجرد أحد الفاعلين المتنافسين.
في الحلقة القادمة…
الهوية الوطنية وإعادة التأسيس… هل يمكن بناء هوية تتسع للجميع؟
سنناقش مفهوم الهوية الوطنية في سياق التنوع السوداني، وإمكانية إعادة تعريف الانتماء بحيث يجمع ولا يقصي، ولماذا فشلت بعض المشاريع السابقة في بناء هوية جامعة، وما شروط نجاح مشروع الهوية في دولة متعددة.
هذه المقالة جزء من مشروع فكري متسلسل بعنوان “إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني”، وتُقرأ ضمن سياقها العام، حيث تمثل كل حلقة لبنة في بناء رؤية فكرية متكاملة لإعادة فهم الدولة السودانية وإعادة تأسيسها على أسس جديدة.
