الثلاثاء, يوليو 21, 2026
الرئيسيةمقالاتمن حصار العقوبات إلى أفق السيادة: السودان ورهان التحول من "العزلة" إلى...

من حصار العقوبات إلى أفق السيادة: السودان ورهان التحول من “العزلة” إلى “النهضة” بقلم/ د. اسماعيل الحكيم


إن العلاقة بين الخرطوم وواشنطن لم تكن يوماً شاطئاً هادئاً، بقدرما أنها كانت مساراً متماوجاً رسمت جغرافيتَه السياسيةَ أدواتُ الضغط ومواقف الحصار. وإن كان الظنّ السائد يربط بداية العقوبات الأمريكية على السودان بحقبة التسعينيات، فإن التاريخ يُسجّل أن بذور التوتر واللوائح السوداء أُلقيت في تربة العلاقات منذ أواخر عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، متقلبةً بين التحالف والتوجس، وصولاً إلى قرار الإدارة الأمريكية الأخير بفرض عقوبات جديدة في خضم الأزمة الحالية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا تُفرض العقوبات؟ لكن : كيف استطاع هذا البلد الضارب في عمق التاريخ أن يتجاوز صدمات الأمس، ويجعل من استهداف اليوم محركاً لنهضة الغد؟
تُمثّل العقوبات الاقتصادية والسياسية في العقيدة الخارجية لتقاطع المصالح الأمريكية أداة طيعة لإعادة تشكيل سلوك الدول. وحين يُقلّب المتابع أوراق التاريخ، يجد أن السياسة الأمريكية لم تقتصر على السودان وحده؛ فلواشنطن سجلّ طويل وحافل من الحروب العسكرية والمقاطعات الاقتصادية عبر القارات: من كوبا إلى إيران، ومن فيتنام إلى روسيا.
لكن المعادلة الثابتة في هذا السجل هي أن العقوبات لم تكن يوماً حكماً بالإعدام على الشعوب ذات الإرادة ، بل كانت في كثير من الأحيان السبب غير المباشر في ولادة الاعتماد على الذات، وكسر أغلال التبعية.
لقد غفلت المقاربات الأمريكية المتعاقبة عن حقيقة كبرى: أن السودان ليس رقماً مجرداً في قائمة، إنما هو رقعة جيوسياسية تمتلك مقومات الكفاية والصمود .
تتناسى واشنطن أن الخرطوم تُمسك بمفاتيح قوة اقتصادية وحيوية لا يمكن إغفالها:

  • الأمن الغذائي والإمكانات الزراعية: الملايين من الهكتارات الصالحة للزراعة والموارد المائية الضخمة التي تجعل منه سلة غذاء إقليمية لا غنى عنها في عالم يتهدده الجوع.
  • الموقع الاستراتيجي: ساحل عريض على البحر الأحمر يُعدّ شرياناً مجنحاً للملاحة والتجارة العالمية.
  • الثروات الممتدة والمتعددة : من ذهب ومعادن ونفط وثروة حيوانية ، تنشدها أسواق عالمية متعددة لا تخضع بالضرورة للهيمنة أحادية القطب.
    إن العالم اليوم لم يعد مجبراً على السير في المدار الأمريكي؛ فالمعادلة الدولية المعاصرة أضحت تُدار بلغة المصالح المشتركة والتحالفات المتعددة . وسوق البدائل متسعة تُتيح للسودان بناء شراكات استراتيجية نفعية متوازنة مع قوى إقليمية ودولية صاعدة صينياً وروسياً وإقليمياً ، تُقدّر مبدأ احترام السيادة وتكافئ المصالح.
    تأتي حرب الكرامة التي يخوضها السودان اليوم لتشكل لحظة فارقة في التكوين الوطني. إذ لم تكن هذه الحرب دفاعاً عن المؤسسات والسيادة ضد محاولات الاختطاف، ولكنها اختبار حقيقي لاستقلالية القرار الوطني في وجه الضغوط الخارجية والتضييق الاقتصادي.
    إن العقوبات الأخيرة، بظلالها وأبعادها، يجب ألا تُقرأ بوصفها قيداً يكبّل الإرادة السودانية، وإنما تحدياً يوقظ الطاقات المعطلة . إن التاريخ يُعلمنا أن الأمم العظيمة لا تُبنى في رغد السلم المتوهّم، ولكنها تتشكل عزيمتها في أتون الأزمات:
  1. تحويل العقوبات إلى فرصة لتوطين الصناعة والإنتاج المحلي: عبر الاعتماد على الموارد الذاتية وتحفيز القطاعات الزراعية والحيوانية.
    2.إصلاح البيئة الاقتصادية والتنظيمية: بناء هياكل مالية وإدارية مرنة تعتمد الشفافية وتستوعب رأس المال الوطني والإقليمي.
    3.إعادة رسم الخريطة الدبلوماسية: تغليب الدبلوماسية الاقتصادية المتعددة الأقطاب التي تبحث عن النفع المتبادل بعيداً عن الشروط الإملاءات.
    إن السياسات التي تراهن على إنهاك السودان عبر بوابة الاقتصاد إنما تراهن على السراب. فصمود السودان عبر العقود السابقة يُثبت أن هذا الوطن قد يمرض بسبيل الضغوط، لكنه لا يموت؛ وقد يتباطأ خطوة ، لكنه لا يقعد.
    إن عقوبات الأمس واليوم، إن حُسنت قراءتها وتوظيفها، لن تكون إلا الوقود الذي يغذّي محركات النهضة الوطنية السودانية. فالشعوب التي تخوض حرب كرامتها لحماية أرضها وسيادتها، قادرةٌ بلا شك على خوض معركة استقلالها الاقتصادي، وتحويل محنة الحصار إلى منحِ السيادة والازدهار.
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات