الثلاثاء, يوليو 21, 2026
الرئيسيةمقالاتالتوثيق الوطني للانتهاكات وأثرها في تفعيل مبدأ  التكامل مع المحكمة الجنائية الدولية ...

التوثيق الوطني للانتهاكات وأثرها في تفعيل مبدأ  التكامل مع المحكمة الجنائية الدولية  د.رجاء عبدالله حمد الزبير


 

  نشرت مقالاً في يوليو 2025  بعنوان تحديات ولاية  المحكمة الجنائية الدولية في النزاع المسلح الراهن،

رابط المقال السابق

تحديات ولاية المحكمة الجنائية الدولية في النزاع المسلح السوداني الراهن. د./ رجاء عبدالله الزبير الملك

تناولت فيه الأساس القانوني لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالنظر في الجرائم  المرتكبة في أقليم دارفور  استناداً لقرار مجلس الأمن  (1593)  لسنة 2005،وخلصت إلى أن مبدأ التكامل بين القضاء الوطني والمحكمة الجنائية الدولية يظل الخيار الأمثل لتحقيق العدالة مع المحافظة على سيادة السودان  واختصاص  مؤسساته القضائية.
ومع استمرار  تطورات  النزاع  وما كشف عنه من حجم الانتهاكات المرتكبة،تبرز الحاجة إلى صدور توجهات وطنية رسمية  تٌعنى  بتوثيق هذه الانتهاكات،بما يتيح  الانتقال من مرحلة النقاش القانوني حول الولاية والاختصاص إلى مرحلة بناء  منظومة وطنية مهنية لجمع الأدلة وتوثيق الجرائم،باعتبار أن التوثيق  يمثل نقطة البداية لأي مساءلة جنائية حقيقية،سواء أمام المحاكم الوطنية أو أمام المحاكم الجنائية الدولية عند الاقتضاء.
 
إن التوثيق ليس مجرد حصر لأعداد الضحايا أو تسجيل للأحداث،وإنما هو عملية قانونية وفنية متكاملة تهدف إلى حفظ الأدلة وفق المعايير الدولية وإثبات الوقائع،وتحديد المسؤولية الجنائية الفردية،بما يشمل المسؤولية المباشرة ومسؤولية القادة والرؤساء وفق المبادئ المستقرة في القانون الجنائي الدولي.
 
وقد أثبتت التجارب الدولية أن ضعف التوثيق يؤدي  في كثير من الأحيان إلى ضياع الحقوق وتعذر محاسبة مرتكبي الجرائم،بينما يشكل التوثيق المهني حجر الأساس في بناء ملفات اتهام متماسكة يمكن الاعتماد عليها أمام المحاكم الوطنية أو الدولية.
 
ومن هذا المنطلق،فإن تشكيل لجنة وطنية لتوثيق الانتهاكات المرتكبة خلال النزاع المسلح يمثل خطوة مهمة شريطة أن تتمتع بالاستقلال والكفاءة الفنية،وأن تعمل وفق منهجية قانونية واضحة تتوافق مع المعايير الدولية في جمع الادلة وحفظها وسلامة سلسلة حيازتها،بما يضمن حجيتها أمام جهات التحقيق والمحاكم.
ولا ينبغي أن يقتصر هذا الجهد على الأجهزة الرسمية وحدها،بل يجب أن يمتد إلى الاستفادة من منظمات
المجتمع المدني السودانية،والمنظمات الحقوقية ،والنقابات المهنية ،والجامعات،ومراكز البحوث،لما تمتلكه من انتشار ميداني وقدرة على الوصول إلى الضحايا والشهود،فضلاً عن الخبرات التي راكمها كثير منها في مجالات الرصد والتوثيق خلال السنوات الماضية.
 
ويمكن للدولة أن تضع إطاراً وطنياً ينظم هذا التعاون،بحيث تخضع عمليات التوثيق لمعايير موحدة ،مع توفير التدريب الفني للعاملين ،وإنشاء قاعدة بيانات مركزية تحفظ الأدلة بصورة آمنة،وتمنع ازدواجية العمل أو ضياع المعلومات،مع احترام حقوق  الضحايا وسرية البيانات وحماية الشهود.
 
كما ينبغي أن يركز التوثيق على تحديد التسلسل القيادي في الجرائم المرتكبة ،وعدم الاكتفاء بإثبات وقوع الانتهاكات  في حد ذاتها،لأن المساءلة في القانون الجنائي الدولي ترتكز على المسؤولية الجنائية الفردية
بما في ذلك مسؤولية القادة العسكريين والرؤساء المدنيين الذين أصدروا الأوامر أو علموا بارتكاب الجرائم ولم يتخذوا التدابير اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.
 
إن وجود ملفات وطنية مكتملة ومدعومة بالأدلة الموثقة يمنح القضاء السوداني فرصة حقيقية للاضطلاع بدوره الأصيل في محاكمة مرتكبي الجرائم،ويعزز في الوقت ذاته تطبيق مبدأ التكامل المنصوص عليه في نظام روما الأساسي،والذي يجعل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية مكملاً لا بديلاً عن القضاء الوطني متى كان الأخير  راغباً وقادراً على مباشرة العدالة.
 
ولعل ما تشهده الساحة السودانية اليوم من اهتمام متزايد بملف توثيق الانتهاكات يؤكد صحة الدعوة التي
سبق أن أشرنا إليها في مقالنا السابق،والمتمثلة في ضرورة الاستثمار المبكر في بناء منظومة وطنية متكاملة
للتوثيق،باعتبارها الضمانة الحقيقية لحفظ حقوق الضحايا ومنع إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب .
 
إن العدالة لا تبدأ في قاعة المجكمة، وإنما تبدأ منذ اللحظة الأولى لتوثيق الجريمة وحفظ الأدلة .
وكلما كان التوثيق أكثر مهنية واستقلالاً  كانت فرص الوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدالة أكثر قوة
سواء أمام القضاء الوطني أو أمام المحكمة الجنائية الدولية.
 
ومن هنا فإن بناء منظومة وطنية للتوثيق تستفيد من إمكانات الدولة وخبرات منظمات المجتمع المدني
لم يعد خياراً  إجرائياً ،بل أصبح ضرورة قانونية ووطنية تمليها طبيعة النزاع وحجم الانتهاكات وتفرضها حقوق الضحايا وأجيال المستقبل.
 
لقد أثبتت التجارب الدولية أن نجاح جهود المساءلة لا يبدأ من قاعات المحاكم، وإنما من التوثيق المهني المبكر للانتهاكات. فكلما كانت الأدلة تُجمع وفق معايير قانونية وفنية سليمة، ازدادت فرص الوصول إلى الحقيقة، وحفظ حقوق الضحايا، ومساءلة المسؤولين عن الجرائم.
 
وفي هذا السياق، يجدر بالسودان أن يستفيد من التجارب المقارنة، ولا سيما التجربتين السورية والأوكرانية، حيث اضطلعت منظمات المجتمع المدني بدور محوري في توثيق الانتهاكات وجمع الأدلة وحفظها وفق المعايير الدولية، بالتنسيق مع الجهات الرسمية والآليات الدولية. وقد أسهم ذلك في بناء قواعد بيانات متكاملة وملفات قانونية استندت إليها جهات التحقيق والمحاكم في ملاحقة مرتكبي الجرائم.
 
ولا يعني الاستفادة من هذه التجارب إسناد مهمة العدالة إلى منظمات المجتمع المدني، وإنما توظيف خبراتها وإمكاناتها في إطار وطني تقوده الدولة، وتخضع أعماله للإشراف القانوني والضوابط المهنية، بما يضمن سلامة الأدلة وحماية الشهود واحترام حقوق الضحايا. فالتوثيق مسؤولية وطنية مشتركة، تتكامل فيها مؤسسات الدولة مع منظمات المجتمع المدني والجامعات والنقابات والجهات المهنية، تحقيقاً لغاية واحدة هي مكافحة الإفلات من العقاب.
ومن ثم، فإن إنشاء منظومة وطنية متكاملة لتوثيق الانتهاكات، تستفيد من الخبرات السودانية والتجارب الدولية الرائدة، يمثل استثماراً في مستقبل العدالة وسيادة القانون، ويعزز قدرة القضاء السوداني على الاضطلاع بدوره الأصيل، ويجسد مبدأ التكامل مع المحكمة الجنائية الدولية، بما يكفل تحقيق العدالة للضحايا، وترسيخ أسس السلام المستدام في السودان.
 
 

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات