الخميس, يوليو 16, 2026
الرئيسيةمقالاتنهب النحاس.. الجريمة المنظمة التي قطعت حبل الوريد السوداني! ...

نهب النحاس.. الجريمة المنظمة التي قطعت حبل الوريد السوداني! بقلم: حمد يوسف حمد


دعونا نتخلى عن التنميق الصحفي البارد؛ فما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد “سرقة كابلات” أو “تخريب منشآت” كما تبثه نشرات الأخبار المعتادة. ما يحدث هو عملية اغتيال صامتة وممنهجة لجسد الأمة، تُسحب فيها شرايينه النحاسية شرياناً تلو الآخر، لتباع في أسواق النخاسة الدولية بأبخس الأثمان، بينما يُترك مئتا ألف كيلومتر مربع من بلادنا غارقاً في ظلام دامس وعزلة قروسطية.
النحاس ليس مجرد معدن؛ إنه عصب الإشارة، وصوت الهاتف، ونبض المستشفى، وتيار المصنع. وحين يُنزع هذا العصب بفعل فاعل، فنحن لا نتحدث عن لصوص “خردة” تقليديين، بل عن تنظيم إجرامي عابر للحدود، يملك أدوات الصهر، وسيارات الشحن، ونفوذ العبور، وخرائط الشبكات القومية!
هندسة التخريب: كيف يُصنع الظلام؟
السرقة هنا تتبع كتالوجاً عسكرياً دقيقاً. لا تلمس كابلاً عشوائياً بل تذهب مباشرة إلى قلب “المحولات الضخمة”؛ تُفرغ زيتها، تُجرّد ملفاتها، وتُقطع خطوط الضغط العالي التي كلف تشييدها خزينة الدولة المنهكة مليارات الدولارات عبر عقود.
هذه الورش السرية التي تنبت كالفطر في مناطق الفوضى لا تصهر النحاس لتعيد تصنيعه؛ هي تغسل الجريمة. تصهر النحاس السوداني المدموغ بهوية وزارتنا القومية، لتُحيله إلى “سبائك صماء” مجهولة الهوية، جاهزة للعبور.
العبور الكبير: كيف يمر طن النحاس من الميناء؟
السؤال الذي يطرحه أي مواطن بسيط يكتوي بنيران الحر والصيف: كيف تعبر شاحنات تزن عشرات الأطنان من النحاس الحارق من تحت أنف الحدود والمعابر؟
الجواب مخجل ومؤلم. إنها تعبر لأن هناك من يغلق عينيه مقابل حفنة من الدولارات، ولأن هناك مستندات شحن تُزور نهاراً جهاراً تحت مسمى “نفايات معدنية”، ولأن هناك موانئ وسيطة في دول جوار لا تسأل عن مصدر البضاعة ما دامت رخيصة. إنها تجارة منظمة تبدأ من اللص الصغير وتنتهي بشركات دولية عملاقة تشتري هذا النحاس المهرب لتعيد إدخاله في الصناعات الحديثة. يسرقون ضوءنا.. ليضيئوا مدنهم!
المسؤولية التاريخية: كفى صمتاً!
إن الإشارة إلى جهة واحدة أو تحميل المسؤولية لـ”طرف النزاع” وحده هو نوع من الهروب من مواجهة الحقيقة. المسؤولية تقع على عاتق:
الميليشيات التي شرعنت النهب واعتبرت البنية التحتية ملكية خاصة للتمويل.
سماسرة الأزمات وتجار الحرب الذين بنوا قصورهم من حطام كابلات الكهرباء.
التراخي الأمني والصمت الرسمي الذي جعل من حدودنا ومنافذنا ممرات ممهدة للتهريب.

اخر الكلام :

لقد سُرق الذهب، ونُهبت البيوت، وصودرت ودائع المصارف، لكن “سرقة النحاس” هي الطعنة الأكثر خبثاً؛ لأنها ببساطة تقطع حبل الوريد الذي يربط السودان بالمستقبل.
إن النحاس الذي يُهرب اليوم عبر الموانئ هو جزء من جسد هذا الوطن. وإذا لم تُضرب هذه الشبكات الإجرامية بيد من حديد، وإذا لم يُصنف تهريب النحاس كجريمة “خيانة عظمى” تمس الأمن القومي، فلن نجد غداً حتى “قابس كهرباء” نضيء به شمعة في وجه هذا الظلام الممتد.
لقد حرقوا أعصاب الوطن.. فهل سنظل نتفرج على النزيف؟

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات