بقلم: انتصار فضل الله
لم تعد عبارة “روحنا مرقت” مجرد شكوى عابرة يرددها المواطن السوداني عندما يفتح محفظته في السوق، بل أصبحت عنواناً لحالة عامة من الإنهاك والقلق. جملة قصيرة تختصر واقعاً ثقيلاً: أسعار بلا سقف، وخدمات تتراجع، ومواطن يقف وحيداً في مواجهة موجات متتالية من الغلاء.
المشكلة ليست أن الأسعار ترتفع فقط، فكل اقتصاد يمر بظروف صعبة قد يشهد تغيرات في الأسعار، لكن الأزمة الحقيقية تبدأ عندما يغيب الضبط، وتصبح الأسواق بلا قواعد واضحة، ويصبح المواطن آخر من يعلم وأول من يدفع الثمن.
اليوم يدخل المواطن السوق وكأنه يدخل معركة غير متكافئة؛ لا يعرف سعر الغد، ولا يملك القدرة على الاعتراض، ولا يجد جهة حاضرة توقف الفوضى. كل تاجر لديه مبرره، وكل زيادة لها تفسير، لكن النتيجة واحدة: فاتورة أكبر يتحملها المواطن وحده.
نسمع كثيراً عن ارتفاع تكاليف النقل، ونقص السلع، وصعوبة الاستيراد، وهي عوامل لا يمكن تجاهلها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين دور الرقابة؟ أين متابعة سلسلة الأسعار من المنتج أو المستورد حتى وصول السلعة إلى يد المستهلك؟ ومن يضمن ألا تتحول الأزمات إلى فرصة للمتاجرة بمعاناة الناس؟
الأسواق لا تحتاج إلى حملات مؤقتة لامتصاص الغضب، ثم تعود الأمور بعدها إلى ما كانت عليه. ما تحتاجه هو جهاز رقابي يعمل قبل الأزمة، لا بعدها؛ يعرف تكلفة السلع، يراقب حركة التوزيع، ويحاسب من يستغل الظروف لزيادة أرباحه على حساب مواطن أنهكته الحرب.
المؤلم أن المواطن لم يخرج بعد من آثار الحرب حتى وجد نفسه أمام حرب أخرى؛ حرب الأسعار، وانقطاع الخدمات، والانتظار الطويل. فإصلاح الكهرباء المتأخر، والخدمات التي لا تزال تتعثر، كلها تضيف أعباء جديدة على أسر تحاول فقط أن تستعيد الحد الأدنى من الحياة الطبيعية.
إعادة الإعمار لا تبدأ بالإسمنت والحديد فقط، بل تبدأ بإعادة شعور المواطن بأن هناك من يحميه. الدولة التي تُبنى من جديد لا تُقاس فقط بعدد المشاريع التي تُفتتح، وإنما بقدرتها على ضبط السوق، وحماية الناس، والاستماع إلى أصواتهم قبل أن تتحول الشكاوى إلى غضب.
المواطن السوداني أثبت أنه قادر على الصبر وتحمل أقسى الظروف، لكنه ليس بلا حدود. الصبر لا يعني القبول بالفوضى، والتحمل لا يعني أن يبقى المواطن الحلقة الأضعف في كل أزمة.
الخطر الأكبر ليس ارتفاع الأسعار وحده، بل أن يصبح الغلاء أمراً طبيعياً، وأن يعتاد الناس على الفوضى باعتبارها واقعاً لا يمكن تغييره.
فحين يفقد المواطن ثقته في قدرة المؤسسات على التدخل، تصبح الأزمة أكبر من سعر سلعة أو فاتورة خدمة؛ تصبح أزمة ثقة.
“روحنا مرقت” ليست صرخة غضب فقط، إنها رسالة إنذار. رسالة تقول إن المواطن الذي صمد أمام الحرب لا يريد معجزة، بل يريد نظاماً واضحاً، ورقابة حقيقية، ودولة حاضرة لا تتركه وحيداً في مواجهة السوق.
