يمثل توقيع “الاتفاق الإطاري” بين لبنان وإسرائيل في واشنطن بتاريخ 26 يونيو 2026 لحظة محورية في المشهد اللبناني والإقليمي، إذ يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على فرض سيادتها وإعادة التموضع وسط توازنات قوى معقدة.
1. جوهر “اتفاق الإطار” والأهداف الاستراتيجية
تثبيت السيادة مقابل التهدئة:
يهدف الاتفاق إلى تكريس دور الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة في المفاوضات والقرارات الأمنية. ينص الاتفاق على بسط سلطة الجيش اللبناني على كامل الأراضي (لا سيما جنوب الليطاني) بالتوازي مع عمليات الانسحاب الإسرائيلي.
إعادة الاعتبار للدولة:
ينظر إلى الاتفاق في الأوساط السياسية الرسمية كوثيقة قانونية تدعم شرعية الدولة في حماية أراضيها وفق ميثاق الأمم المتحدة، وخطوة للابتعاد عن منطق المليشيات أو “إدارة الحروب” خارج إطار القرار الحكومي للدولة.
2. التحديات البنيوية والشكوك
معضلة السلاح:
تظل قضية نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية “النقطة الشائكة”. ورغم ورود بنود تشير إلى بسط سلطة الدولة، فإن المحللين يشيرون إلى فجوة كبيرة بين “النص” و”الواقع”، حيث لا تزال القوى الفاعلة على الأرض تمتلك القدرة على عرقلة التنفيذ.
الموقف الإيراني:
تشير التحليلات إلى أن إيران، رغم انخراطها في تفاهمات إقليمية (مثل مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية)، لا تسعى بالضرورة لتجريد حلفائها من سلاحهم، بل تراه “ورقة ضمان” لالتزام الأطراف الأخرى ببنود الاتفاق الإقليمي الأوسع.
3. الانعكاسات على التوازنات الإقليمية
الربط بالملفات الإقليمية:
بات الملف اللبناني جزءاً من “سلة” تفاهمات كبرى تشمل استقرار مضيق هرمز ووقف العمليات العسكرية في عدة جبهات إقليمية. هذا يعني أن أي انهيار في أحد هذه الملفات قد يرتد سلباً على الاستقرار في لبنان.
قوة دولية جديدة:
ثمة توجه فرنسي بدعم أمريكي لنشر قوة دولية جديدة (أو تطوير دور “اليونيفيل”) لمراقبة التنفيذ، مما يعكس تدويل الملف الأمني في الجنوب اللبناني لضمان عدم الانزلاق نحو مواجهات جديدة.
4. قراءة في المشهد اللبناني الداخلي
انقسام الرؤى:
يعيش الداخل اللبناني حالة انقسام: فبينما يتمسك فريق بضرورة تنفيذ الاتفاق كفرصة لإنقاذ الدولة، يحذر فريق آخر من أن الاتفاق “مهندس” ليضعف الدولة عبر تحميلها التزامات أمنية لا تملك المقومات العسكرية أو السياسية لإنقاذها منها بمفردها.
الشارع والمؤسسات:
ثمة “خطوط حمراء” ترسمها القيادات السياسية (مثل الرئيس نبيه بري وقائد الجيش) لمنع تحويل التفاوض إلى مادة للصراع الداخلي، مع التأكيد على حصر قرار السلم والحرب بيد المؤسسات الرسمية للدولة.
الخلاصة:
يعد الاتفاق بين لبنان وإسرائيل في 26 يونيو 2026 “مسماراً في نعش” مرحلة الانفلات الأمني، لكن نجاحه يعتمد على قدرة الحكومة اللبنانية على حشد إجماع وطني والتعامل مع “فيتو” القوى غير الحكومية، وسط منطقة لا تزال تتأرجح بين الرغبة في التهدئة وبين موازين القوى التي لم تُحسَم بعد.
ويبقى السؤال: هل تنجح لبنان في هذا الاتفاق مع إسرائيل لوقف الحرب أم لا؟
بقلم: عميد شرطة (حقوقي) محمد علي عبدالله عبد الدائم
