نيروبي : المجد نيوز
شهدت العاصمة الكينية نيروبي، خلال الفترة من 26 وحتى 30 يونيو، انعقاد ورشة شبكة النساء السودانيات في تظاهرة نسوية واسعة هدفت إلى توحيد جهود النساء السودانيات وتعزيز دورهن في مسارات السلام، بمشاركة (53) قيادية وناشطة نسوية من داخل السودان وخارجه، في خطوة وصفت بأنها محطة مفصلية في مسيرة الشبكة نحو التوسع والتنظيم وبناء السلام المستدام.
وتُعرّف شبكة النساء السودانيات نفسها، وفق المادة الأولى من دستورها، بأنها منظمة مجتمع مدني غير ربحية، غير حكومية وغير حزبية، تأسست بانعقاد مؤتمر جمعيتها العمومية التأسيسية في 14 يونيو 2025 بالعاصمة الأوغندية كمبالا، بمشاركة قيادات سياسية وناشطات حزبيات وممثلات لمنظمات المجتمع المدني، اجتمعن على قناعة راسخة بضرورة تأسيس تحالف نسوي ديمقراطي يشكل إطاراً مؤسسياً لنضال المرأة السودانية من أجل الحرية والمساواة والعدالة والسلام والأمان.
وتضع الشبكة في مقدمة أهدافها العمل على إيقاف الحروب وتحقيق السلام المستدام، باعتباره الهدف الأول المنصوص عليه في دستورها، إلى جانب استعادة مسار ثورة ديسمبر وترسيخ الحكم المدني الديمقراطي، فضلاً عن اثنين وعشرين هدفاً أساسياً أقرها المؤتمر التأسيسي، الذي أجاز كذلك مدونة الأخلاق والسلوك المنظمة لعمل الشبكة.
وجاء انعقاد الورشة في ظل التحديات المتفاقمة التي تواجه النساء السودانيات بسبب الحرب، حيث سعت إلى رسم ملامح مرحلة جديدة للشبكة، تقوم على توسيع عضويتها وبناء فروع لها داخل السودان، وفي بلدان المهجر، ومعسكرات اللاجئين، بالتوازي مع الدفع نحو إنهاء الحرب، وتعزيز فرص السلام المستدام استناداً إلى المواثيق الدولية، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن الدولي رقم (1325)، مع التأكيد على أن أي عملية سلام لا يمكن أن تكون عادلة أو مستدامة دون مشاركة كاملة ومتساوية للنساء.
واستهلت الورشة أعمالها بثلاث جلسات عمل ناقشت آليات التوسع والبناء التنظيمي، ومراجعة دستور الشبكة، وصياغة مدونة السلوك، بما يسهم في تطوير الأداء المؤسسي وتعزيز وجود الشبكة داخل السودان وفي مجتمعات اللجوء والمهجر.
واختتم اليوم الأول بتمرين للارتكاز العاطفي والتوليف العام، عكست مخرجاته حالة من الانسجام بين المشاركات، وأظهرت عمق الروابط التي تجمع النساء السودانيات، وتطلعهن إلى وطن يسوده السلام والاستقرار والعودة الآمنة.
وفي اليوم الثاني، تواصلت أعمال الورشة عبر تقديم عدد من أوراق العمل التي تناولت السياقات العامة المؤثرة على بناء الشبكة.
وقدمت مسؤولة مكتب الشؤون الإنسانية الأستاذة راوية كمال ورقة بعنوان “ملامح عن الوضع الإنساني والرؤية حول الهدنة”، فيما قدمت مسؤولة المكتب السياسي الأستاذة بثينة إبراهيم دينار ورقة بعنوان “رؤية تحليلية حول السياق السياسي الراهن في السودان”. كما استعرضت الأستاذة رحاب مبارك، ممثلة المكتب القانوني، ورقة بعنوان “رؤية المكتب القانوني في توسيع عمل شبكة النساء السودانيات”.
وفي الجانب الإعلامي، قدمت مسؤولة الإعلام الأستاذة إحسان عبد العزيز ورقة بعنوان “السياق الإعلامي والتوثيق”،
بينما قدمت الأستاذة سجود عمر القراي ورقة بعنوان “ساحة المعركة الموازية.. الإعلام التقليدي، النسوية الرقمية، وتوظيف المعلومات كسلاح في السودان”، والتي تناولت دور الإعلام في تشكيل الرأي العام أثناء النزاعات. كما شاركت الأستاذة عبلة كرار، عبر الاتصال الإلكتروني، بورقة بعنوان “مبادئ التنظيم والبناء القاعدي في البيئات الهشة والمتأثرة بالحرب”.
وركزت جلسات اليوم الثالث على أوضاع النساء السودانيات في المهاجر، وسبل بناء وتعزيز الشبكات النسوية خارج السودان في ظل تداعيات الحرب. وقدمت الكاتبة الأستاذة بثينة تروس ورقة عمل تناولت تأثير الحرب على العمل النسوي، وأبرز التحديات التي تواجه بناء الشبكات النسوية في المهجر، والعوامل المؤثرة في نجاحها، وفي مقدمتها التنوع العمري والفئوي وكيفية توظيفه في دعم العمل النسوي المشترك.
كما استعرضت الورقة الدروس المستفادة من تجارب العمل النسوي قبل الحرب وبعدها، مؤكدة أهمية الاستفادة من تلك التجارب في تطوير آليات العمل وتعزيز التنسيق بين المبادرات النسائية. وأعقب الورقة نقاش موسع، قُسمت خلاله المشاركات إلى مجموعات عمل ناقشت آليات بناء الشبكة النسوية في المهاجر، قبل أن تُعقد جلسة للتوليف جمعت مخرجات النقاش ووحدت الرؤى، ثم استأنفت المجموعات اجتماعاتها لعرض توصياتها الخاصة بتطوير الشبكات النسوية وتعزيز أدوارها في دعم النساء السودانيات، فيما اختتم اليوم بتمرين للارتكاز العاطفي والتوليف العام.
وشهد اليوم الرابع والأخير مواصلة أعمال مجموعات العمل خلال الفترة الصباحية، بينما خُصصت الجلسة الختامية في الفترة المسائية بحضور عدد من الفاعلين والفاعلات السودانيين المقيمين في كينيا، حيث تم عرض وقراءة البيان الختامي للورشة، أعقبه العرض الخاص للفيلم الوثائقي النسوي “أجساد بطولية”، الذي أعدته وأخرجته المخرجة السودانية سارة سليمان، عضو شبكة النساء السودانيات.
ويتناول الفيلم التاريخ الحديث للسودان من خلال العلاقة بين السلطة وجسد المرأة، ويوثق محاولات الأنظمة القمعية للسيطرة على النساء وانتهاك أجسادهن، في مقابل النضال الذي خاضته النساء السودانيات بإبداع وإصرار لاستعادة حقوقهن وكرامتهن. ويؤكد الفيلم أن “الأجساد البطولية” هي أجساد النساء اللاتي تحملن على مدى عقود ممارسات مثل الشلوخ وختان الإناث وقطع الرحط والولادة بالحبل، ومهدن الطريق لأجيال جديدة من النساء لمواصلة المقاومة والنضال.
واعتمد الفيلم على شهادات حية لرائدات الحركة النسوية السودانية، من بينهن الدكتورة خالدة زاهر، والدكتورة فاطمة بابكر، والأستاذة فاطمة القدال، والدكتورة إحسان فقيري، والدكتورة فدوى عبد الرحمن، بينما تولت الدكتورة هادية حسب الله التعليق على الفيلم.
ويُعد “أجساد بطولية” أول فيلم وثائقي سوداني طويل يشارك في مهرجان IDFA العالمي، حيث شهد عرضه العالمي الأول، كما نال عدداً من الجوائز، من بينها جائزة الجمهور في مهرجان مالمو للسينما العربية، وجائزة شيرين أبو عاقلة لأفضل فيلم وثائقي في مهرجان القدس للسينما العربية. كما شاركت مخرجته سارة سليمان في عضوية لجان تحكيم عدد من المهرجانات، بينها مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي.
وسارة سليمان صانعة أفلام سودانية مقيمة في المملكة المتحدة، وعضو في جمعية خريجي تشيفنينغ، وباحثة ومنتجة وناشطة نسوية مهتمة بقضايا الشباب، كما أسست شركة “فندي” للإنتاج الفني والإعلامي، وتحمل درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة الأحفاد للبنات، ودرجة الماجستير في دراسات النوع الاجتماعي من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية (SOAS) بجامعة لندن.
وشكلت ورشة شبكة النساء السودانيات في نيروبي محطة تنظيمية مهمة في مسيرة الشبكة، ورسخت رؤيتها في بناء حركة نسوية سودانية أكثر تنظيماً واتساعاً، قادرة على الإسهام في إنهاء الحرب، وترسيخ السلام، وتعزيز مشاركة النساء في صناعة مستقبل السودان.
