كيف تلفت قضية “العسجد” انتباه السلطات إلى ضرورة قيام المجلس التشريعي؟
بقلم الاستاذ/ زكريا علي عبدالرسول
كاتب ومحلل سياسي
لو كان المجلس التشريعي الانتقالي قائمًا، لما عرف السودانيون اسم شركة العسجد أصلًا.
قد تبدو هذه العبارة صادمة، لكنها تختصر جوهر القضية. فليس من الطبيعي أن تتحول إجراءات منح تصديق لشركة إلى قضية رأي عام تتصدر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بينما المكان الطبيعي لمناقشتها هو قاعة المجلس التشريعي ولجانه المختصة. وما حدث خلال الأيام الماضية لم يكشف عن أزمة شركة بقدر ما كشف عن أزمة غياب المؤسسة التي يفترض أن تمارس الرقابة على السلطة التنفيذية وتطمئن الرأي العام إلى سلامة الإجراءات.
ولمن لم يتابع تفاصيل القضية، فإن شركة العسجد للحلول الرقمية والذكية المحدودة برز اسمها خلال الأيام الماضية بعد حصولها على تصديق من بنك السودان المركزي للعمل في مجال خدمات نظم الدفع الإلكتروني، وهو قطاع بالغ الحساسية لارتباطه بالبنية المالية والتقنية للدولة. وقد أثار منح التصديق موجة واسعة من التساؤلات في الأوساط الإعلامية والمصرفية بشأن الإجراءات والمعايير التي استند إليها القرار. ومع اتساع الجدل، أعلن بنك السودان المركزي إلغاء التصديق بعد مراجعة فنية وقانونية، لتتحول القضية من خبر اقتصادي إلى مناسبة وطنية لطرح سؤال أكبر يتعلق بالرقابة المؤسسية.
ولو كان المجلس التشريعي قائمًا، لما وجد الإعلام نفسه في واجهة المشهد بهذا الحجم. فمثل هذه الملفات كان ينبغي أن تُناقش داخل مؤسسة دستورية تمتلك سلطة استدعاء المسؤولين، والاطلاع على الوثائق، وفحص الإجراءات، ومساءلة الجهات المختصة، ثم تقديم نتائجها للرأي العام بكل شفافية.
لكن غياب المجلس التشريعي خلق فراغًا رقابيًا واضحًا، فانتقل هذا الدور، بحكم الضرورة، إلى الإعلام. ولم يكن ذلك رغبة من الإعلام في الحلول محل المؤسسات، وإنما استجابة لفراغ فرضته ظروف المرحلة.
لقد أثبتت قضية العسجد أن الإعلام السوداني، عندما يمارس دوره بمهنية، قادر على تحريك الرأي العام، وإثارة الأسئلة المشروعة، ودفع المؤسسات إلى مراجعة قراراتها. وهذه ليست وظيفة الإعلام الأصلية، لكنها أصبحت واقعًا فرضه غياب المؤسسة التشريعية والرقابية.
غير أن استمرار هذا الواقع ليس في مصلحة الدولة ولا في مصلحة الإعلام. فالإعلام لا يصدر الأحكام، ولا يملك سلطات التحقيق، ولا يستطيع أن يكون بديلًا عن مؤسسة دستورية تمارس الرقابة وفق القانون. ولذلك، فإن بقاء الإعلام في موقع “البرلمان البديل” يعكس خللًا في بنية الدولة، لا تطورًا في وظيفة الإعلام.
لقد ظللنا نطالب الدولة، منذ سنوات، بالإسراع في قيام المجلس التشريعي الانتقالي، أو إنشاء سلطة رقابية تحت أي مسمى، تتولى مساءلة السلطة التنفيذية، ومراجعة القرارات، وحماية المال العام، وصيانة حقوق المواطنين. وما زلنا نؤكد أن قيام مجلس تشريعي ذي اختصاص رقابي لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل أصبح ضرورة تمليها طبيعة المرحلة. فالدولة التي تغيب عنها المؤسسات الرقابية تترك فراغًا سرعان ما تملؤه وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو وضع لا يخدم الدولة ولا المجتمع، لأن الرقابة المؤسسية أكثر قدرة على حسم الجدل، وترسيخ الثقة، وحماية الجميع.
إن الرسالة التي حملتها قضية العسجد لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها انتصارًا للإعلام على مؤسسات الدولة، وإنما باعتبارها رسالة إلى السلطات بأن استكمال البناء المؤسسي لم يعد يحتمل التأجيل. فكل يوم يتأخر فيه قيام المجلس التشريعي، تتسع مساحة الفراغ الرقابي، وتزداد القضايا التي تجد طريقها إلى الإعلام بدلًا من أن تجد طريقها إلى المؤسسة المختصة.
إن قضية العسجد ستنتهي كما انتهت قضايا كثيرة قبلها، لكن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إلى متى تظل الدولة تُدار بلا مجلس تشريعي يراقب، ويسائل، ويحمي ثقة المواطنين في مؤسساتهم؟
،،، تحياتي ،،،
