لم يعد الصمت عما اقترفت أيدي مليشيا آل دقلو في حق الشعب السوداني كله تواطؤاً فحسب، لكنه بات شراكة كاملة في الدم. فالجرائم التي تعرض لها الشعب السوداني على يد مليشيا آل دقلو الإرهابية لم تكن تفلتات حرب أو صراع على سلطة، إنما كان حملة إبادة ممنهجة وسحق ديموغرافي غير مسبوق في التاريخ الحديث ، عدوانٌ بربري برداء نازي استهدف استئصال الهوية واغتصاب الأرض والعرض.
وفي اللحظة التي يحاول فيها المجتمع الدولي غسل دماء الضحايا بمساحيق التسويات السياسية البائسة، خرجت مولانا روضة إدريس، عضو اللجنة الوطنية للتحقيق، لتصفع وجه العالم المتعامي بلغة الأرقام الصارخة؛ أرقامٌ خرجت من أقبية سجلات النيابة العامة كبلاغات مكتملة الأركان، لتقطع خطوط الرجعة على القتلة، وتتحول إلى مشنقة قانونية أبدية ستلاحق هذه الطغمة الباغية حتى بعد أن تصمت المدافع.
وحين نُخضع الأرقام الصادمة التي وثقتها اللجنة للتحليل الجنائي والترقيب الديموغرافي، مستصحبين الكتلة السكانية لولايتي الخرطوم والجزيرة كمثال (والتي تُقدّر بحوالي 13.5 مليون نسمة قبل المحرقة)، تتكشف لنا هندسة الإبادة الممنهجة التي مارستها المليشيا، حيث تحولت النسب المئوية إلى شواهد حية على أبشع عدوان عرفته البشرية:
- المجزرة المفتوحة (30,000 شهيد): تصفية ثلاثين ألف نفس معصومة تعني انتزاع ما نسبته 0.22% من الكتلة السكانية بالحديد والنار والقنص العشوائي. وهذا ليس رقماً إحصائياً، بقدر ما هو بترٌ لجيل كامل، ومحاولة واعية لتفريغ الأرض من أهلها عبر آلية الموت الزؤام.
- المقابر الصامتة (44,000 + 1,500 مفقود قسرياً) : بإجمالي يفوق 45,500 مخفيّ في غياهب المعتقلات والآبار والقبور الجماعية، نجد أن 0.34% من المجتمع قد غُيّب تماماً وراء جدار الصمت. إنها سيكولوجية الرعب التي تمارسها المليشيا لترك مئات الآلاف من الأسر معلقة بين الموت المجهول والانتظار القاتل.
- إرهاب الأعراض وهتك الحرمات (2,200 حالة اغتصاب موثقة): لتُمثل هذه الجريمة النكراء نسبة 0.016% من إجمالي السكان الإقليمي؛ وهي نسبة تُهتز لها السموات السبع بالنظر إلى جدار العفة والقيود الاجتماعية التي تحول دون التبليغ. لقد استخدم التتار الجدد أجساد الحرائر كسلاح حرب لكسر الكبرياء السوداني، وهو ما يضع المليشيا رسمياً في خانة الجماعات السادية الفاشية .
إن القيمة القانونية والأخلاقية الكبرى لتقرير اللجنة، وما أفصحت عنه مولانا روضة إدريس، تكمن في خروجه من سياق الإدانات السياسية الفضفاضة إلى مربع الأدلة الجنائية الدامغة والتكييف القانوني الصارم . فهذه ليست تقارير لمنظمات مشبوهة تُباع وتُشترى، وإنما هي سجلات قضائية رسمية واعترافات ومحاضر تحقيق مكتملة الشروط.
ليعلم آل دقلو، ومن خلفهم من حلفاء الغدر الإقليمي، أن هذا التقرير هو صك إدانتهم التاريخي الذي لا يسقط بالتقادم. ولن تفلح جولات الدبلوماسية، ولا محاولات إعادة التدوير، في محو ملامح الجثث أو إسكات صرخات المغتصبات. هذه السجلات هي وثيقة ملاحقة جنائية ستظل تطوق أعناقهم حتى يواريهم التراب .
إن النفخ في رماد هذه المحرقة واجبٌ وطني وأخلاقي لينفض الغبار عن أضخم مأساة إنسانية حلت بالشعب السوداني. إن دماء الشهداء وعذابات المفقودين في الخرطوم المكلومة والجزيرة المستباحة قد خطّت بمداد من نار نهاية أي أمل للمليشيا في مستقبل هذا البلد.
لقد كُتبت وثيقة السقوط الأخلاقي والعسكري لآل دقلو، وبات هذا التقرير القضائي بمثابة الحجر الأساس الذي ستُبنى عليه محاكمات العصر، ليرى العالم أجمع كيف صمد شعبٌ عظيم أمام فاشية غاشمة، وكيف ستنتهي المليشيا الإرهابية إلى مزبلة التاريخ، تلاحقها لعنات الأرقام ودماء الأبرياء.
