الأربعاء, يوليو 1, 2026
الرئيسيةمقالاتكسوة بنت العم…. ...

كسوة بنت العم…. من ذاكرة الطفولة…
الأستاذ/ الغالي الزين حمدون


ذاكرة الطفولة تجدها في الانسان قوية إذا ما قورنت بمراحل حياته ( العمرية ) خصوصاً في البيئة التي نشأ و تربى فيها . لأن الطفل في مراحله الأولى من العمر يكون معايشاً للأحداث و شاهداً على وقائعها . فهو معاصر و مجالس و مستمع و متلقي و مشاهد في آن واحد مما يجعله مستوفياً كل مستويات و مراحل التعلم التي تنمي فيه المقدرة على التركيز . و بالتالي تزيد معلوماته و معارفه ، و تتوسع مداركه لاستيعاب و حفظ أكبر مخزون من المعلومات لذلك قيل : ( النقش في الصغر كالنقش في الحجر )….و بالطبع هذه المسلمات تختلف من جيل إلى جيل بإختلاف التغيرات التي تطرأ على البيئات و المجتمعات و المعلومات من فترة إلى فترة . و قد صور لنا الله سبحانه وتعالى في الآية من سورة النحل ( و الخَيْلَ و البِغَالَ و الحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا و زِينَةً و يَخْلقُ مَا لَا تَعْلَمُون ).. و هو إشارة إلى التدرج في وسائل النقل من خيل و بغال و حمير ، إلى سفن وبواخر و سيارات و طائرات…. كما و (يخلق ما لا تعلمون) إشارة إلى الإنفجار المعرفي و سبل التواصل و الإتصال و الترحال و استمراريته ما بقيت الحياة….
نحن جيل نختلف عمن كانوا قبلنا و من أتوا بعدنا…تربينا على الزهد و القناعة و ربما كان من قبلنا أزهد في العيش و الحياة….ما كنا نطالب بتغيير الوجبة من العصيدة التي تعتبر غذاء رئيسي لا يتغير إلا( ملاحها ) على مر الثلاثة وجبات…و نشتهي ( الرغيف ) الذي نطعمه مرة واحدة في الأسبوع حين يتسوق آباؤنا ب(أمدادٍ) من محصول السمسم أو الذرة أو ( أرطالٍ ) من الصمغ . حتى الرغيف الذي ننتظره ليوم السوق وهو يوم واحد في الأسبوع لا يتعدى الرغيفتن للبيت ، و برغم قلتها كنا نراها كثيرة و يجد كل من أفراد الأسرة نصيبه منها لأنها كانت ( تُعفس) في صحن كبير مع كمية من الفجل و البصل الاخضر و الجرجير و الطماطم بزيت السمسم و تقدم كصحن (مساند) مع صحن اللحمة لصينية الأسبوع (اليتيمة) المدنكلة…. نشتهي اللحم رغم وجود الأعداد المهولة من الأغنام و الأبقار و الجمال التي لا تباع إلا لسد مال في الأعراس . و لا تذبح إلا كرامة لموت ، أو فرح ، أو نذر ، أو مقدم ضيف. لذلك كنا نستبشر بمقدم الضيوف لأن في قدومهم ( قطع شك ) ضبيحة كما يقولون…..كنا زاهدين في كل شيء حتى الملبس الذي لا يتعدى عرَّاقي أو سروال من الدمور أو الدبلان أو البفتة و هي أكثر انواع القماش المتاحة في ذلك الزمان . و قلَّ ما يجتمع جلباب و سروال على جسدك في غير موسم الحصاد و العيدين أو مناسبة زواج أو طهور في البيت…
لا يستطيع أحد توصيف الزهد في العيش في ذلك الزمان كنوع من أنواع البخل رغم وجود المال . لأن أهلنا كانوا ينظرون للمال ( سترة حال ) و سترة الحال هي إكرام الضيوف و الزهد عما في أيدي الناس . و يقدِّمون مَلْأ (العين) على مَلْأ (البطن) . و حسبهم من الشبع حيازة المال فيقول أحدهم متظاهراً بذلك “الحمد لله عيني مليانة “…… و يصفون (الغِنَى) ب(الشَّبَع) فيقولون فلان ( شبعان ) و لا يقصدون شبع البطن ، بل امتلاك اعدادٍ كثيرة الماشية أو الأنعام فهو غنيان أو غني . و المتأمل في حالهم يعذرهم لأنهم تتملكهم نزعة (التملُّك) و التباهي .و ليست لثقافة الاستثمار سبيلاً في حياتهم . و بالتالي لم تكن الرفاهية جزءاً منها ما دامت ( مُونَتَهُ) من المحاصيل الزراعية و منتجات الحيوان من الألبان و السمن متوفرة ، بل و زائدة عن حاجتهم…. وهم يسمون مخزون المحصول من الذرة ( مُونة ) وهي فصحى اختصاراً و تخفيفاً لمفردة ( مؤونة ) إضافة إلى أن حياتهم بطبيعتها (تكافلية) . فهم يجودون ب( المنيحة ) للجار و الفقير . و المنيحة هي بهيمة (مُلبِنة) تخصص من المراح لمن لا يملك بهيمة لبن و هي من منح الشيء أعطاه و هذه واحدة من دلالات الكرم التي تنفي عنهم صفة الشح و البخل…….
من الأشياء التي تحسب لهم و رأيتها في طفولتي تحديداً في حدود قريتي ( أم قويز ) الواقعة شمال مدينة بارا عادة رسخت في ذهني إلى اليوم . و هي ما يسمونه ( كِسوة بنت العم ) لا أدري هل هو يوم عابر من أيام السنة أم عيد خالد نشأ عليه أهل القرية و انقطع بتطور الأحوال الإقتصادية التي فصلتها أعوام الجفاف ما بين ( ١٩٦٧م _ ١٩٦٩ ) التي مرَّت على المنطقة كعام (الرمادة) حيث انقطع المطر وجفت الأرض ، فأصابها القحط ، و انعدم المرعى فماتت البهائم و لم يبق منها إلا ( الرَّقَّاي ) و ( الدَّقَّاي ) كما كانت تقول والدتي رحمها الله…. و الرقاي كناية عن ( الجمل ) وهي صيغة مبالغة من ( رغى ) و نلاحظ إبدال الغين بالقاف و الإبدال وارد في اللغة العربية. كما أن الدَّقاي كناية عن الشاة أو الماعز و هي عامية صرفة تعني بالفصحى ( الثَّغَّاي) و هي من (ثغى) فنقول ” ثغت الشاة أو الماعز ثُغاءً ” و يلاحظ فيها اجتماع إبدال حرفين في كلمة واحدة مثل حرف الثاء (بالدال) و حرف الغين ( بالقاف ) و لم أسمع بهذا في اللغة ( و الله أعلم ) وذلك لأن الجِمَال و الماعز تتحمل الجفاف لانها تأكل من الأشجار بدلاً من الأعشاب ، بخلاف الأبقار و الضأن فهي لا تأكل إلا من الأرض فإذا نضبت الأعشاب فليس لها سبيل غير الفناء . و قد أنقطع بسبب هذا الجفاف نسل الأبقار في المنطقة من تلك اللحظة الى يومنا هذا لأن البيئة أصبحت غير صالحة لتربيتها…..
قبل هذه الفترة و حتى دخولي المدرسة عام ( ١٩٦٦م ) كانت عادة كسوة بنت العم مظهراً سنوياً تتميز به القرية . فيقوم الآباء بعد الانتهاء من ( الضَّمُومَة ) و هي فترة انتهاء الحصاد أي ( ضمَّه و جمعه و إدخاره ) و هو التأريخ الوحيد الذي يحضرني لتاريخ هذه المناسبة….. فيقوم كل أب بمنح ( ٢٥ ) قرشاً و كانت تسمى ربع جنيه أو ( طرَّادة ) لكل واحد من أبنائه الصغار الذكور لشراء (عرَّاقِي) هدية لإبنة عمه من الدرجة الأولى بينما يقوم الكبار بشراء هداياهم من خاصتهم . و إذا لم توجد (بنت عم) من الدرجة الأولى فمن الدرجة الثانية و الثالثة إلى أبعد نسبة من سكان القرية…..
كلمة (العرَّاقِي) مصطلح كان يطلق على جلباب الرجل و المرأة ، و يختلف جلباب المرأة في ذلك الوقت و أشهره في الريف ( القِنيلَّة ) و هي جلباب بدون أكمام في اعتقادي أنها تعني ( الفَانِلَّة ) فهي تشبهها في الحمالات المتدلية من الكتف و يكون أغلب الصدر مكشوفاً . و تخاط من قماش ( الكُدَري ) وهو قماش قطني ناعم الملمس متعدد الألوان الصارخة ( الأحمر ، الأصفر ، الأخضر ، الأصفر ، الأزرق و الأسود ) و نساء الريف كنَّ يرغبن الألوان الصارخة . و أذكر أن ترزي القرية جاء وافداً من مدينة الأبيض و اسمه عثمان (كنيش ) لعوق بيده و كان نادراً ما تجد ترزياً من أبناء الريف……
كان عثمان من أميز الترزية الذين جاء بهم حاج حمدتو رحمه الله صاحب (الدكان) الوحيد وسط مجمع قرى المنطقة . و أول من أمتلك لوري ( تيمس ) في المنطقة عام ١٩٦٤م ….
عثمان ترزي سِتَّاتي يعني ( حريمي ) ماهر و بجانب ذلك اشتهر بخياطة الجلاليب و العراريق الرجالية . و قبل هذا اليوم يستعد عثمان و يعكف على الخياطة نهاراً و ليلاً على ضوء ( الرتينة ) لتوفير أكبر قدر من العراريق يكفي أهل القرية . و كان يعلقها بحبال على طول (برندة) الدكان و جوانب الراكوبة و أخرى مشدودة بين الأشجار المجاورة للدكان و أذكر أنه كان يمتلك راديو مغلف بالقماش و كان ذلك بداية ظهور الراديو في الريف و لم يسبقه لذلك إلا حاج حمدتو كان يمتلك راديو يعمل بطارية الحجار المربعة كقطع البسكويت…..
كسوة (بنت العم) يومٌ واحد لاغير يخرج فيه كل الرجال و الأطفال صباحاً لشراء الهدايا من الدكان بينما تقف النساء أمام البيوت استعداداً لاستلام الهدايا و رش العطر على الرجال و الاطفال تعبيراً عن فرحتهن بالهدية……
ذاك منظرٌ لم يتكرر في حياتي . و لم أشهده منذ العام ١٩٦٩م و قد كنت بالصف الثالث بالمدرسة (الصغرى) ذات الثلاثة فصول و تسمى في بعض الولايات ( الكتاتيب) . و هو العام الذي جلست فيه لأول امتحان شهادة ( ريفي ) يؤهل للنقل إلى الصف الرابع بالمدارس (الأولية) ذات الأربعة فصول…. و كان إقليم كردفان في ذلك الوقت ينقسم الى مجالس ريفية حسب الرقعة الجغرافية لمكونات الإقليم و نظارة و حواكير (القبلية) و أذكر منها في شمال كردفان : ريفي البديرية و مركزه الأبيض ، و ريفي الجوامعة مركزه أم روابة ، ريفي الكبابيش و مركزه سودري ، و ريفي دار حامد مركزه بارا ، و ريفي دار حمر و مركزه النهود فيوزع الطلاب في المراحل الصغرى و الأولية و الوسطى حسب المجلس الريفي . أما التوزيع للمرحلة الثانوية فهو قومي لعدم وجود مدارس ثانوية بالمجالس الريفية….
لم يكن ذكر هذه المراحل هدفاً من أهداف المقال لكني اوردته لربط الأحداث كمعلومة تأريخية من تلك الحقبة لا بد من أن تعيها الأجيال الحالية و القادمة……..
تخيل معي منظر ذلك اليوم في الصباح الباكر و كأنه يوم عيد….. الرجال يتدافعون في الدكان لانتقاء الألوان التي تناسب (المُهْدَى) إليه…. الأطفال يتناولون هدايهم من (طرف) دون اكتراث للون لأن عندهم ” كله عند العرب صابون ” . فكل ما يهمه هو أن يدفع (الطرَّادة) للبائع و قد يرميها على الأرض و يتناول هديته ليركض بها مسابقاً أقرانه مزهواً بهديته لبنت عمه صغيرة أو كبيرة لا (فرق) في ذلك . و قد يكون هو نفسه لا يكسوه إلا(سروال) أو (جبة) كأنما ينطبق عليه بيت الشعر :
أوردها سعدٌ و سعدٌ مشتملٌ
ما هكذا تورد الإبلُ يا سعدُ …
منظر الرجال يتقاطعون في الطرقات ، و الأطفال يحملون الهدايا من (العراريق) الملونة و يطلقونها للهواء تتبعهم كالفراشات . منظر يرسم لوحة جمالية إذا وجدت رساماً وقتها لنافس بها ( مانوليزيا ) الرسام الإيطالي ليوراندو دا فينشي ، و لخلدت بلوحة ( بنت العم ) تذكر أينما ذكرت اللوحات العالمية….
من الجانب الآخر تجد النساء الكبار يحملن قوارير العطور و أشهرها آنذاك (فلور دامور )و (بت السودان) التي غنى بها الفنان محمد وردي ” نفسك بت السودان أصيل ” و (ورق الخريف) كما أذكر منها عطر ( السيد علي المرغني) فيمسحن بها على رقاب الأطفال و أنوفهم و على أيادي الرجال الكبار و ينثرن العطر على ( طواقيهم ) جمع طاقية و منهم من يستل (سكينه) ليعطرها……
قد يفسر البعض أن هذه الهدايا تعبر عن (عربون) خطوبة أو زواج من بنت العم . لكنها في الواقع غير ذلك و يندر ما يحدث زواج بسببها لأن في الأصل زواج بنت العم كان واقعاً مفروضاً لا يحتاج لهدية و لا يحتمل الرفض من الجانبين !…لكن الشاهد أنها كانت تعبير عن يوم فرحة و عيد يرسم البسمة على شفاه كل أم و أب ، و أخ و أخت و خالة وخال ، و عمة و عم ، و جدة و جد ، و كل قريب و بعيد من سكان القرية…. كان مهرجاناً للمحبة أسوة بقول النبي صلى الله عليه وسلم( تهادوا تحابوا )….. و كان يوماً لصلة الرحم قرب منه أو بعد …. ثم كان درساً بليغاً في الترابط و العفة و المواساة ….
لكن بعوامل الزمان ، و تطور الأحداث ، و اختلاط المجتمعات ، و تأثير الثقافات انتفت تلك العادة الجميلة….. و في ظني أن أثرها بقي في القرية إلى اليوم متمثلاً في القيمة التكافلية التي انتهجها أهلها و شبابها في الوقوف مع أي من أفراد القرية أو من له صلة رحم بهم في القرى المجاورة بتدافعهم للمساهمة و التعويض بالمال في الفرح و الكره و المرض و لمن فقد حاجة بسبب كارثة……
لا أدري هل كانت هذه العادة حصرياً على قريتنا أم هي ثقافة مجتمعية تتنظم مجتمعات القرى و المناطق المجاورة ؟….
ليت هذه العادة تعود بمسماها و جمالها و نقائها و سخائها و تعم كل المجتمعات لترسم البسمة على الشفاه ، و تزيل صدأ القلوب ، و تدخل الفرحة على المغلوب ، و تمسح الغل و آثار الحروب……

الأستاذ/ الغالي الزين حمدون…
٢٠٢٦/٧/١ م

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات