✒️ الكاتبة والإعلامية/ عبير نبيل محمد فرح
هناك جروحٌ يكفيها الزمن لتلتئم…
وهناك جروحٌ لا يزيدها إهمالُها إلا اتساعًا، حتى تتحول إلى عطبٍ دائم مهما حاولنا إخفاءها بالضمادات.
ولذلك، فإن الطبيب لا يبدأ العلاج بوضع الضماد، بل بفتح الجرح، وتنظيفه، وتعقيمه، ثم مداواته.
قد يكون الألم قاسيًا…
لكن الشفاء لا يولد من إنكار الحقيقة.
والسودان اليوم ليس بحاجة إلى ضمادة جديدة، بل إلى شجاعة مواجهة الحقيقة.
فمنذ اندلاع هذه الحرب، انشغلنا جميعًا بالسؤال:
من أخطأ؟
ومن خان؟
ومن انتصر؟
ومن انهزم؟
ومن فعل؟
ومن ترك؟
لكننا، في خضم هذا الضجيج، نسينا السؤال الوحيد الذي يستحق أن يكون بداية كل حديث:
أين السودان؟
لقد أصبح الوطن، الذي كان يتسع لنا جميعًا، يقف اليوم كالغريب بين أبنائه.
الجميع يتحدث باسمه…
لكن قلة فقط تتحدث من أجله.
وأخشى أن أكبر مأساة هذه الحرب ليست المدن التي تهدمت، ولا البيوت التي احترقت، ولا الأرواح التي رحلت…
بل الإنسان السوداني الذي تغير من الداخل.
لقد أصبح السوداني يخاف من السوداني.
وأصبحت الجهة تسبق الاسم.
واللهجة تسبق الأخلاق.
والقبيلة تسبق الإنسان.
والانتماء يسبق المواطنة.
وهذه، في رأيي، أخطر هزيمة يمكن أن تصيب شعبًا.
قبل أن نحاكم بعضنا…
علينا أن نفهم بعضنا.
فليس كل من يعيش هذه الحرب جاء إليها بالطريق نفسه.
هناك من عرف الحرب لأول مرة بعد عام 2023.
وهناك من وُلد والحرب تحيط به من كل اتجاه.
هناك أطفال في دارفور لم يعرفوا من طفولتهم سوى معسكرات النزوح، وكبروا بين الخيام، وتعلموا معنى الفقد قبل أن يتعلموا القراءة.
وعاشت أجيال كاملة سنواتٍ من اللجوء والخوف، بينما كانت أجيال أخرى في مناطق مختلفة من السودان تعيش واقعًا مختلفًا، حتى جاءت هذه الحرب وطرقت أبواب الجميع بلا استئذان.
هذه ليست مقارنة بين الآلام…
فكل بيت سوداني دفع ثمنًا من هذه الحرب.
لكنها دعوة لفهم أن التجارب المختلفة تُنتج نظرات مختلفة إلى الحياة، وإلى الدولة، وإلى السلاح، وإلى الآخر.
ولهذا لا يجوز أن نختزل الناس في صورٍ صنعتها الحرب، أو في أحكامٍ ولدها الخوف.
واليوم، يخاف بعض السودانيين من القوات المشتركة.
وفي المقابل، يرى آخرون أنها خرجت من بيئة حملت الحرب على كتفيها سنوات طويلة، وأن أبناءها ليسوا غرباء عن هذا الوطن.
لكن…
هل كان أبناء دارفور يومًا غرباء عن السودان؟
هل كانوا ضيوفًا على أرضهم؟
ألم تكن الأسواق تجمع الجميع؟
ألم يعمل أبناء الغرب في الخرطوم، ومدني، وعطبرة، وشندي، وبورتسودان؟
ألم يعمل أبناء الشمال والوسط والشرق في الفاشر، ونيالا، والجنينة، والأبيض؟
ألم تجمع الناس التجارة، والجوار، والدراسة، والعمل، والمصاهرة؟
متى تحول الجار إلى غريب؟
ومتى أصبح السوداني يخشى السوداني؟
الحرب لم تغيّر الجغرافيا…
لكنها حاولت أن تغيّر الذاكرة.
وأخطر من الحرب نفسها…
أن نسمح لها بأن تعيد تعريف بعضنا بعضًا.
وأخطر ما فعلته هذه الحرب أنها أقنعت كثيرين بأن الحقيقة يمكن أن تُختصر في رواية واحدة.
وهذا غير صحيح.
في الحروب…
تكثر الروايات.
لكن الحقيقة لا تتجزأ.
والحقيقة المؤلمة أن الجميع أخطأ، وإن بدرجات متفاوتة.
أخطأت الحكومات حين تركت الأزمات تتراكم حتى انفجرت.
وأخطأت النخب حين قدّمت مصالحها على مصلحة الوطن.
وأخطأت القوى السياسية حين جعلت خلافاتها أكبر من السودان.
وأخطأت مؤسسات حين قصّرت في بناء الثقة أو في معالجة بعض التجاوزات.
وأخطأ الإعلام عندما تحوّل، في كثير من الأحيان، إلى وقودٍ للاستقطاب بدل أن يكون جسرًا للحقيقة.
وأخطأنا نحن أيضًا…
حين سمحنا للعنصرية أن تدخل بيوتنا.
وللغة الكراهية أن تدخل أحاديثنا.
وللجهوية أن تصبح ميزانًا نحاكم به الناس.
إن أكبر أكذوبة رددناها طوال السنوات الماضية…
أن الخطأ دائمًا عند الآخرين.
ولو كان الخطأ عند الآخرين فقط…
لما وصل السودان إلى ما وصل إليه.
إن العدالة لا تعني التعميم.
ولا يجوز أن يُحاسَب إنسانٌ على اسمه، أو قبيلته، أو منطقته، أو لون بشرته، أو الجهة التي جاء منها.
فالناس يُحاسبون على أفعالهم…
لا على هوياتهم.
ومن الظلم أن نُحمّل جماعةً كاملة مسؤولية أخطاء أفراد.
كما أن من الظلم أيضًا أن ننكر وقوع الأخطاء أصلًا.
فالإنصاف لا يكون بالإنكار.
ولا يكون بالشيطنة.
بل يكون بالحقيقة.
واليوم…
وبينما تتصاعد الحملات الإعلامية، وتتسابق منصات التواصل في صناعة الصور الذهنية، علينا أن نتوقف قليلًا ونسأل أنفسنا:
هل أصبحنا نعرف السودان من خلال الشائعات؟
هل نحكم على بعضنا بالمقاطع المجتزأة؟
هل أصبحنا نصدق كل ما يوافق غضبنا، ونكذب كل ما يخالفه؟
إن الحرب الإعلامية لا تنتصر فقط بقوة من يصنعها…
بل تنتصر أيضًا عندما تجد شعبًا مستعدًا لتصديق كل ما يزيد انقسامه.
ومع كل هذا…
يبقى السؤال الأكبر.
هل هذا هو الوقت الذي ننشغل فيه فقط بمن فعل، ومن ترك؟
أم أن الأولوية اليوم أن يستعيد السودان أمنه، وسيادته، ومؤسساته، وأن يعود ملايين النازحين إلى بيوتهم، وأن يتوقف نزيف الدم؟
إن المطالبة بالعدالة حقٌ لا خلاف عليه.
لكن العدالة نفسها تحتاج إلى وطن.
وتحتاج إلى دولة.
وتحتاج إلى قانون.
أما إذا ضاع الوطن…
فلمن ستكون العدالة؟
وأنا، كمواطنة سودانية…
لم يعد يؤلمني فقط مشهد الحرب.
بل يؤلمني أكثر أنني، أحيانًا، أشعر وكأنني فقدت وطني.
فأسأل نفسي:
أين السودان؟
هل العيب في الأرض؟
أم في الحكام الذين تعاقبوا عليها؟
أم في النخب التي استهلكت الوطن في صراعاتها؟
أم فينا نحن…
حين سمحنا للخوف أن ينتصر على الثقة؟
وللغضب أن ينتصر على الحكمة؟
وللعنصرية أن تنتصر على المواطنة؟
ومن يحب السودان اليوم؟
أهو من يرفع الشعارات؟
أم من يعمل بصمت ليجمع أبناءه وهم يوشكون على التفرق؟
إن الوطن لا يعود بالهتافات.
ولا يُبنى بالكراهية.
ولا يُحمى بالعنصرية.
ولا يُستعاد إذا ظل كل فريق يبحث عن انتصارٍ لنفسه، بينما يخسر السودان كل يوم جزءًا من روحه.
قد نختلف في السياسة.
وقد تختلف قراءتنا للتاريخ.
لكن لا ينبغي أن نختلف على حقيقة واحدة:
أن السودان أكبر من الجميع.
وأن هذا الوطن لن ينجو إذا ظللنا نبحث عن المذنب قبل أن نبحث عن طريق النجاة.
فلنفتح الجرح إذا كان لا بد من فتحه…
لكن لنعالجه، لا لنُعمّقه.
ولنقل الحقيقة…
ولو كانت مؤلمة.
لأن الأوطان لا تُشفى بالأوهام.
أما السودان…
فلا يزال ينتظر أبناءه.
فإذا كان لهذا الوطن أن ينهض من جديد، فلن ينهض إلا بالحقيقة، ولن تستقيم الحقيقة إلا بالعدل، ولن يبقى العدل إلا إذا كان الوطن أكبر من الجميع.
قد تُرهقنا الحقيقة، لكنها وحدها القادرة على إنقاذ وطنٍ أنهكته الأوهام… فما بين الحقيقة والعدل يولد السلام.
سلامٌ وأمان… فالعدلُ ميزان.
أنا الرسالةُ حين يضيع البريد،
وأنا امرأةٌ من حبرِ النار.
لا أكتبُ لأُرضي أحدًا، بل لأشهد للحقيقة.
أكتبُ لأن الوطن أكبر من صمتنا،
ولأن الحقيقة، مهما كانت مُرّة، هي أول طريق الشفاء،
ولأترك للتاريخ ما عجز عنه الصمت.
✒️ / عبير نبيل محمد
