الأحد, يونيو 28, 2026
الرئيسيةمقالاتحين تُداس النقود في الأعراس… ماذا تبقى من إنسانيتنا؟ ...

حين تُداس النقود في الأعراس… ماذا تبقى من إنسانيتنا؟ بقلم/ عبدالقادر عمر محمد عبدالرحمن

الحروب لا تُقاس بعدد الرصاصات وحدها، بل تُقاس أيضاً بمدى احتفاظ الناس بإنسانيتهم وهم يمرون بالمحنة.
والأوطان لا تنهار فقط عندما تُدمر المباني والجسور، بل عندما يفقد بعض أبنائها الإحساس بآلام الآخرين، ويصبح البذخ والاستعراض أهم من معاناة الملايين.
قبل أيام، صادفني مقطع فيديو أثار في نفسي قدراً كبيراً من الحزن والاشمئزاز.
رجل يبدو في العقد الخامس من عمره، وفي إحدى الحفلات بالقاهرة، كان يرمي الأوراق النقدية على مغنية في مشهد استعراضي، بينما تتناثر النقود وتداس بالأقدام.
قد يقول قائل: إنها أمواله وهو حر في التصرف فيها.
وهذا صحيح من الناحية القانونية.
لكن السؤال ليس قانونياً، بل أخلاقي وإنساني ووطني.
كيف يستطيع إنسان ينتمي إلى بلد مكلوم أن يتصرف بهذه الصورة بينما ملايين من أبناء شعبه يعيشون أكبر مأساة إنسانية في تاريخ السودان الحديث؟
كيف يستطيع أن يبعثر المال في دقائق معدودة بينما هناك أسر كاملة لا تجد ما تأكله؟
كيف يقذف بالنقود في الهواء بينما مرضى يفترشون الأرض لأنهم لا يملكون ثمن العلاج؟
كيف يفعل ذلك بينما آلاف الأطفال خارج المدارس، وملايين النازحين ينتظرون من يمد لهم يد العون، وأمهات يقضين الليل وهن لا يدرين كيف يطعمن أبناءهن في الصباح؟
إن المشكلة ليست في شخص بعينه، وإنما في ظاهرة اجتماعية مقلقة اسمها “النقطة” عندما تتحول من تعبير رمزي عن الفرح إلى استعراض فج للثراء، وإلى تبديد للأموال، وإلى سباق في المباهاة لا ينتج قيمة ولا يضيف شيئاً للمجتمع.
بل إن الأمر يصبح أكثر إيلاماً عندما يحدث هذا الاستعراض في زمن الحرب والمجاعة والنزوح والانهيار الاقتصادي.
ما الرسالة التي نرسلها لأنفسنا وللعالم عندما يرون شعباً يعاني جزء كبير منه من الفقر والتشرد، بينما جزء آخر يتباهى بحرق الأموال معنوياً ورميها تحت الأقدام؟
إن النقود ليست مجرد أوراق.
إنها ساعات عمل، وجهد إنساني، وموارد كان يمكن أن تتحول إلى دواء لمريض، أو كفالة ليتيم، أو منحة لطالب، أو مشروع صغير لأسرة فقدت كل شيء.
ولا أحد يطالب الناس بإلغاء الفرح أو تحريم الاحتفال أو مصادرة حقهم في الابتهاج.
فالفرح جزء من الحياة.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين الفرح وبين الاستفزاز، وبين الكرم وبين التبذير، وبين الاحتفال وبين استعراض القدرة المالية بصورة تخدش مشاعر مجتمع ينزف.
إن الأمم الحية تُعرف بترتيب أولوياتها.
وفي الأوقات العصيبة تتجلى أخلاق الشعوب، فتقل المظاهر الفارغة، وتتعاظم قيم التكافل والتراحم والمسؤولية الاجتماعية.
أما أن يتحول التبذير إلى مدعاة للفخر، فهذه ليست علامة ثراء، بل علامة اختلال في سلم القيم.
إننا بحاجة إلى مراجعة شجاعة لبعض عاداتنا الاجتماعية.
بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا بصدق:
كم مريضاً كان يمكن أن نعالجه؟
كم طالباً كان يمكن أن ندعمه؟
كم أسرة نازحة كان يمكن أن نعينها؟
كم مشروعاً صغيراً كان يمكن أن ننشئه بهذه الأموال التي تتطاير في دقائق ثم تنتهي بلا أثر؟
إن السودان اليوم لا تنقصه الموارد بقدر ما تنقصه الأولويات الصحيحة.
ولا تنقصه الأموال وحدها، بل تنقصه أيضاً ثقافة الشعور بالآخرين.
فالأنانية الاجتماعية، والانفصال عن واقع الناس، واللامبالاة بمعاناة المجتمع، كلها أمراض لا تقل خطورة عن الأزمة الاقتصادية نفسها.
إن بلدنا يمر بمرحلة استثنائية تتطلب من كل فرد أن يكون أكثر وعياً وأكثر إحساساً وأكثر مسؤولية.
فالأوطان الجريحة لا تحتاج إلى من يستعرض ثروته، بل إلى من يضمد جراحها.
ولا تحتاج إلى من يرمي المال تحت الأقدام، بل إلى من يضعه في المكان الذي يصنع أملاً، أو ينقذ إنساناً، أو يبني مستقبلاً.
وفي زمن المحن، لا يُقاس غنى الإنسان بما ينثره من أموال في حفلات عابرة، بل بما يقدمه من رحمة وعطاء وإحساس بالناس.
فالتاريخ لا يتذكر من بعثر المال على أنغام الأغاني، بل يتذكر من وقف مع وطنه عندما كان الوطن في أشد الحاجة إلى أبنائه.
رسالة المقال: “في بلد يئن من الحرب والنزوح والجوع، يصبح أعظم أنواع الثراء هو أن تشعر بآلام الناس، وأفقر أنواع الفقر هو أن تفقد هذا الشعور.”

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات