بعد الحروب والأزمات الكبرى، لا تواجه الدول تحدي إعادة البناء فقط، بل تواجه تحدياً أكثر تعقيداً يتمثل في كيفية إعادة تشغيل مؤسساتها أثناء عملية البناء نفسها.
ففي مثل هذه المراحل، يكون الجميع متفقاً على ضرورة الإصلاح، لكن الخلاف غالباً يدور حول الكيفية والتوقيت.
هل يبدأ الإصلاح بإزالة كل ما هو قائم وإعادة تشكيل المؤسسات من جديد؟ أم يبدأ بالحفاظ على استقرارها وقدرتها على أداء واجباتها، ثم تطويرها بصورة متدرجة ومدروسة؟
هذا السؤال لا يخص مؤسسة بعينها، بل يكاد يكون من أبرز الأسئلة التي تواجه الدول الخارجة من الأزمات.
فالواقع العملي يبين أن المؤسسات ليست مجرد هياكل تنظيمية أو مواقع وظيفية، وإنما منظومات متكاملة تضم خبرات متراكمة، وإجراءات تشغيل، ومعرفة مؤسسية تشكل في مجموعها القدرة الفعلية على تقديم الخدمة العامة.
ولهذا فإن التحدي لا يكون دائماً في الوصول إلى الوضع المثالي، وإنما في إدارة الانتقال من الواقع القائم إلى الواقع الأفضل بأقل قدر من الاضطراب.
وفي كثير من الأحيان، تقع بعض المؤسسات في خطأ الاعتقاد بأن الإصلاح يبدأ بإزالة كل ما هو موجود واستبداله دفعة واحدة.
لكن التجارب الناجحة داخل الدول التي مرت بمراحل تعافٍ مشابهة تشير إلى أن الإصلاح المستدام يقوم على بناء البديل قبل الاستغناء عن القائم، وعلى إدارة التغيير قبل إعلان نتائجه.
فالخبرات المتراكمة داخل المؤسسات قد لا تكون مثالية في كل جوانبها، لكنها كثيراً ما تمثل جزءاً من التوازن التشغيلي المطلوب لاستمرار العمل اليومي.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين ما يجب إصلاحه فوراً، وما يمكن تطويره تدريجياً، وما ينبغي الإبقاء عليه مؤقتاً إلى حين اكتمال شروط البديل الأفضل.
فالإدارة الناجحة لا تُقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرارات، وإنما كذلك بقدرتها على تقدير آثار تلك القرارات على استقرار المؤسسة وكفاءة أدائها.
كما أن القيادة المؤسسية لا تتمثل في البحث عن الكمال الفوري، بل في تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح ومتطلبات الاستمرارية.
وفي مرحلة التعافي الوطني التي يمر بها السودان اليوم، تكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة.
فالمطلوب ليس مجرد إعادة تشغيل المؤسسات، وإنما تمكينها من أداء دورها بكفاءة أعلى وقدرة أكبر على خدمة المواطنين والمساهمة في عملية إعادة الإعمار والتنمية.
ولهذا فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يعتمد فقط على حجم الموارد المتاحة أو عدد المشروعات التي يتم تنفيذها، بل على قدرتنا على بناء مؤسسات مستقرة وقادرة على التطور في الوقت نفسه.
فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالهدم الإداري، كما لا يتحقق بالمحافظة على الواقع كما هو.
إنه يتحقق عندما ننجح في الجمع بين الاستقرار والتطوير، وبين الحفاظ على عناصر القوة القائمة وبناء عناصر القوة الجديدة.
وفي نهاية المطاف، تبقى إحدى أهم قواعد الإدارة في مراحل التعافي هي أن بناء المستقبل لا يبدأ دائماً من الصفر، بل يبدأ غالباً من حسن إدارة ما هو موجود، تمهيداً للوصول إلى ما ينبغي أن يكون.
م. الصادق عباس نجّار
