الجمعة, يونيو 26, 2026
الرئيسيةمقالاتعندما تصبح خسارة الآخرين أمنية أخيرة ...

عندما تصبح خسارة الآخرين أمنية أخيرة بقلم/ عبدالقادر عمر محمد عبدالرحمن

يُحكى أن رجلين كانا يقفان في الساعات الأخيرة من حياتهما، بعد أن صدر بحقهما حكم بالإعدام.
وفي تقليد إنساني أخير، قرر القاضي أن يمنح كل واحد منهما أمنية أخيرة تتحقق قبل تنفيذ الحكم.
نظر إلى الأول وسأله: ما أمنيتك؟
أطرق الرجل برأسه، ثم قال بصوت مرتجف: أريد أن أرى أمي. أريد أن أقبل يدها للمرة الأخيرة، وأعتذر لها عن كل تقصير، وأطلب منها أن تسامحني قبل أن أغادر هذه الدنيا.
ساد الصمت، وتأثر الحاضرون بكلماته.
ثم التفت القاضي إلى الرجل الثاني وقال له: وما أمنيتك أنت؟
رفع رأسه وقال ببرود عجيب:
“أمنيتي ألا تتحقق أمنية الأول… وألا يرى أمه.”
ساد ذهول في المكان.
حتى القاضي لم يصدق ما سمع.
فالرجل لم يطلب الحرية، ولم يطلب تخفيف الحكم، ولم يطلب رؤية أسرته أو أداء صلاة أو لقاء أبنائه.
لقد كانت آخر أمنية في حياته أن يحرم إنساناً آخر من لحظة وداع مع أمه!
أي مرض نفسي هذا؟
وأي ظلام يسكن قلب إنسان لا يجد أمنية لنفسه، فيجعل غايته الأخيرة هي تعاسة غيره؟
وللأسف الشديد، هذه القصة ليست بعيدة عنا.
إنها في كثير من الأحيان صورة مصغرة لبعض ما نعيشه في السودان.
فكم من شخص لا يسأل: كيف أتقدم؟
بل يسأل: كيف لا يتقدم غيري؟
وكم من إنسان لا يبحث عن فرصته، بل يبحث عن طريقة لإضاعة فرصة الآخرين؟
وكم من مشروع حورب، ومن مبادرة أُجهضت، ومن كفاءة شُوهت، ومن ناجح أُعيق، لا لسبب إلا لأن نجاحه أزعج البعض.
إن الحسد ليس مجرد صفة سيئة، بل هو جريمة أخلاقية وتنموية في حق المجتمع.
لأن الحاسد لا يكتفي بإهمال بناء نفسه، بل يعمل بكل طاقته لمنع الآخرين من البناء.
إنه شخص لا يزرع أرضه، ولا يترك الآخرين يزرعون أرضهم.
لا يصنع فرصة لنفسه، ولا يحتمل أن يرى غيره يستفيد من فرصة.
لا ينجز، لكنه يرهقه أن يرى من ينجز.
وهكذا تتحول طاقات المجتمع إلى معارك صغيرة، وإلى مراقبة الآخرين، وإلى تتبع نجاحاتهم، وإلى محاولة إفشالهم، بينما تمضي الأمم الأخرى في طريق البناء والعمل والإنتاج.
إن الحسد من أكثر السلوكيات تدميراً للأوطان.
لأنه يقتل روح المبادرة.
ويحطم الثقة بين الناس.
ويحول النجاح إلى تهمة.
ويجعل أصحاب الأفكار والمواهب والكفاءات يعيشون في حالة دفاع دائم عن أنفسهم بدلاً من التفرغ للإبداع والإنجاز.
والمؤسف أن الحاسد لا يربح شيئاً.
فحتى إذا تعثر الآخر، فإن حياته لا تتحسن، ورزقه لا يزيد، ومستقبله لا يتغير.
إنه يشبه ذلك المحكوم بالإعدام؛ ضيع آخر أمنية في حياته ليمنع شخصاً آخر من لحظة فرح، ثم مضى إلى مصيره خالي الوفاض.
لقد تأخر السودان كثيراً لأن بعضنا ما زال منشغلاً بالناس أكثر من انشغاله بنفسه.
نراقب من نجح، ومن اشترى، ومن بنى، ومن ترقى، ومن سافر، ومن كبر مشروعه.
ونصرف في متابعة الآخرين من الوقت والجهد ما لو أنفقناه في تطوير أنفسنا لتغيرت حياتنا تماماً.
إن الأمم لا تتقدم بالحسد، وإنما بالتنافس الشريف.
ولا تنهض بإسقاط الناجحين، بل بصناعة المزيد منهم.
ولا تبنى بمراقبة الناس، بل بالعمل والإنتاج والإبداع.
لذلك نحن بحاجة إلى ثورة أخلاقية وفكرية تقول لكل واحد منا:
دع الناس تنجح…
دع الناس تتقدم…
دع الناس تحقق أحلامها…
ثم انصرف إلى حلمك أنت، وابنِ مشروعك أنت، واستثمر وقتك أنت.
فالوقت الذي تستهلكه في عدّ نعم الآخرين كان يمكن أن يكون بداية نجاحك الشخصي.
وما أحوج السودان اليوم إلى مواطن يسأل كل صباح:
ماذا سأضيف لوطني؟
بدلاً من أن يقضي يومه كله يسأل:
لماذا نجح فلان؟
رسالة المقال: “ليس الفشل الحقيقي أن ينجح غيرك، بل الفشل الحقيقي أن تضيع عمرك كله وأنت تحاول منع الآخرين من النجاح.”

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات