الخبير الاقتصادي مبارك محمود مضوى
تواجه المالية العامة في السودان تحديًا تاريخيًا يتمثل في التوفيق بين تراجع الإيرادات العامة واتساع الاحتياجات التمويلية للدولة في ظل ظروف الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. وبينما تلجأ العديد من الحكومات في مثل هذه الظروف إلى زيادة الضرائب والرسوم والجبايات، فإن هذا النهج غالبًا ما يؤدي إلى إضعاف النشاط الاقتصادي وتقليص الاستثمار ورفع تكاليف الإنتاج، مما يحد من قدرة الاقتصاد على النمو ويؤثر سلبًا على الإيرادات نفسها على المدى المتوسط والطويل.
ومن منظور الاقتصاد الكلي، فإن قوة المالية العامة لا تُقاس بحجم الضرائب المفروضة، وإنما بحجم الاقتصاد المنتج القادر على خلق الثروة والدخل والقيمة المضافة. فالإيرادات الحكومية في جوهرها انعكاس مباشر لحجم النشاط الاقتصادي، وكلما اتسعت قاعدة الإنتاج والاستثمار والتجارة اتسعت معها تلقائيًا قاعدة الإيرادات العامة.
لذلك فإن الأزمة الحقيقية للإيرادات في السودان لا تكمن في ضعف معدلات التحصيل فحسب، وإنما في ضيق القاعدة الإنتاجية، وتراجع معدلات النمو، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وضعف الاستثمارات المحلية والأجنبية، وغياب التكامل بين السياسات الاقتصادية المختلفة.
إعادة بناء القاعدة الإنتاجية الوطنية
إن نقطة الانطلاق الحقيقية لأي إصلاح مالي مستدام تبدأ من إعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية الرئيسية، وعلى رأسها الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والصناعات التحويلية والخدمات الإنتاجية.
فالاقتصاد لا ينتج إيرادات قبل أن ينتج ثروة، ولا تستطيع الدولة تحصيل موارد من نشاط اقتصادي متراجع أو متوقف. ولذلك فإن زيادة الإنتاج ورفع الإنتاجية وتحسين الكفاءة الاقتصادية تمثل المصدر الأكثر استدامة لتوسيع الإيرادات العامة.
وكل زيادة في الناتج المحلي الإجمالي تنعكس بصورة مباشرة على معدلات التشغيل والدخول والصادرات والأرباح، ومن ثم ترتفع الحصيلة الضريبية والجمركية ورسوم الخدمات دون الحاجة إلى فرض أعباء جديدة على المواطنين أو المنتجين.
دمج الاقتصاد غير المنظم في الاقتصاد الرسمي
يمثل الاقتصاد غير المنظم أحد أكبر التحديات الهيكلية التي تواجه المالية العامة في السودان، حيث تعمل أعداد كبيرة من المنشآت والأنشطة الاقتصادية خارج المظلة الرسمية للدولة.
إن معالجة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تقوم على الإجراءات العقابية فقط، بل على بناء حوافز اقتصادية وتشريعية تشجع هذه الأنشطة على الاندماج الطوعي في الاقتصاد الرسمي من خلال تبسيط الإجراءات وخفض تكاليف التسجيل والترخيص وتسهيل الوصول إلى التمويل والخدمات الحكومية.
وكل نشاط اقتصادي ينتقل من الاقتصاد الموازي إلى الاقتصاد الرسمي يمثل توسعًا حقيقيًا للقاعدة الضريبية دون الحاجة إلى زيادة معدلات الضرائب.
رفع كفاءة الإدارة الضريبية والجمركية
في كثير من الأحيان لا تكمن المشكلة في معدلات الضرائب وإنما في ضعف الإدارة الضريبية والجمركية وارتفاع معدلات التهرب والتسرب المالي.
ولذلك فإن التحول الرقمي الكامل، وربط قواعد البيانات الحكومية، واستخدام الأنظمة الذكية للتحصيل والمراجعة، وتطوير القدرات المؤسسية، وتعزيز الشفافية والحوكمة، تمثل أدوات أكثر كفاءة من زيادة معدلات الضرائب نفسها.
فالعدالة الضريبية وكفاءة التحصيل تساهمان في زيادة الثقة بين الدولة والممولين، وتوسيع دائرة الالتزام الطوعي، وتحقيق موارد إضافية بصورة مستدامة.
تعظيم العائد من أصول الدولة
تمتلك الدولة السودانية موارد وأصولًا ضخمة تشمل الأراضي والشركات والمرافق والاستثمارات العامة، إلا أن نسبة كبيرة منها لا تحقق العائد الاقتصادي المتوقع.
ويقتضي الإصلاح المالي الحديث الانتقال من إدارة الأصول إلى استثمار الأصول، عبر إعادة الهيكلة، وتحسين الحوكمة، وتطبيق معايير الكفاءة الاقتصادية، وتحويل الأصول غير المستغلة إلى مصادر دخل مستدامة تدعم الموازنة العامة وتمول التنمية.
الشراكة مع القطاع الخاص
أثبتت التجارب الدولية أن الدولة وحدها لا تستطيع تمويل متطلبات التنمية وإعادة الإعمار في المراحل الانتقالية وما بعد النزاعات.
ومن ثم فإن تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص أصبح ضرورة استراتيجية تسمح بجذب رؤوس الأموال والخبرات والتكنولوجيا الحديثة، وتنفيذ المشروعات الكبرى دون تحميل الخزانة العامة أعباء إضافية.
كما تسهم هذه الشراكات في توسيع النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل وزيادة الإيرادات العامة بصورة غير مباشرة.
التوسع في الصادرات وتعظيم حصائل النقد الأجنبي
تمثل الصادرات المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي المستدام ومصدرًا مهمًا للإيرادات العامة بصورة مباشرة وغير مباشرة.
فكل زيادة في الصادرات الزراعية والحيوانية والمعدنية والصناعية تؤدي إلى تدفقات أكبر من النقد الأجنبي، وتحسين ميزان المدفوعات، واستقرار سعر الصرف، وزيادة الإنتاج المحلي، وهو ما ينعكس إيجابًا على الإيرادات الحكومية.
لذلك يجب أن تصبح سياسة تشجيع الصادرات إحدى الركائز الأساسية لاستراتيجية الإيرادات
لذلك يجب أن تصبح سياسة تشجيع الصادرات إحدى الركائز الأساسية لاستراتيجية الإيرادات العامة في السودان.
تكامل الأدوار المؤسسية: الإيرادات مسؤولية الدولة وليست وزارة المالية وحدها
من أكبر الأخطاء في إدارة الاقتصاد حصر قضية الإيرادات العامة في وزارة المالية وحدها، إذ إن الإيرادات ليست نتاج عملية تحصيل، وإنما نتيجة مباشرة لأداء الاقتصاد الوطني بكافة قطاعاته ومؤسساته.
وعليه فإن نجاح الدولة في تنمية الإيرادات يتطلب إعادة تعريف أدوار الوزارات والمؤسسات العامة وفق مفهوم “الدولة المنتجة للإيرادات” وليس “الدولة الجابية للإيرادات”.
فوزارة المالية مسؤولة عن إدارة السياسة المالية، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتطوير النظم الضريبية والجمركية، وتحقيق الانضباط المالي، لكنها ليست الجهة الوحيدة المسؤولة عن زيادة الإيرادات.
أما بنك السودان المركزي فتتمثل مهمته في تحقيق الاستقرار النقدي وضبط التضخم واستقرار سعر الصرف وتعزيز الثقة في الجهاز المصرفي، باعتبار أن الاستقرار النقدي يشكل البيئة الأساسية للنمو والاستثمار.
وتقع على وزارة الزراعة مسؤولية رفع الإنتاجية الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي وتطوير سلاسل القيمة الزراعية، بينما تتولى وزارة الثروة الحيوانية زيادة القيمة المضافة للصادرات الحيوانية والتحول من تصدير المواد الخام إلى تصدير المنتجات المصنعة.
كما تضطلع وزارة المعادن بمهمة تنظيم القطاع المعدني ومحاربة التهريب وتعظيم الاستفادة الاقتصادية من الموارد المعدنية وربطها بالصناعات التحويلية.
وتتحمل وزارة الصناعة مسؤولية بناء قاعدة صناعية وطنية قادرة على زيادة القيمة المضافة وتقليل الواردات ورفع الصادرات الصناعية.
أما وزارة الاستثمار فتقع عليها مسؤولية جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية وتحسين بيئة الأعمال وتبسيط الإجراءات وإزالة المعوقات أمام المستثمرين.
بينما تضطلع وزارة التجارة بفتح الأسواق الخارجية وتنمية الصادرات وتعزيز العلاقات التجارية الإقليمية والدولية.
كما تمثل وزارة النقل والبنية التحتية أحد أهم المحركات الاقتصادية عبر خفض تكاليف الإنتاج والتسويق والنقل وتحسين كفاءة الحركة التجارية.
وتلعب وزارة الداخلية والأجهزة العدلية دورًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن أدوار الوزارات الإنتاجية من خلال مكافحة التهريب والفساد والجرائم الاقتصادية وغسل الأموال وحماية الأسواق وضمان سيادة حكم القانون.
أما الحكومات الولائية والمحلية فينبغي أن تتحول من مؤسسات تعتمد على الجبايات المحلية إلى مؤسسات تنموية تعمل على جذب الاستثمار وتطوير الخدمات والبنية الأساسية وتحفيز النشاط الاقتصادي.
نحو مجلس اقتصادي أعلى لإدارة التنمية وال
إن الحل المستدام لأزمة الإيرادات العامة في السودان لا يكمن في فرض المزيد من الضرائب والرسوم، بل في بناء اقتصاد قوي ومنتج ومتنوع وقادر على خلق الثروة. فالإيرادات ليست هدفًا في حد ذاتها، وإنما هي نتيجة طبيعية لنجاح السياسات الاقتصادية.
وكل فدان يُزرع، وكل مصنع يعمل، وكل مشروع استثماري يُقام، وكل طن يُصدَّر إلى الخارج، يمثل موردًا ماليًا مستدامًا للخزانة العامة يفوق أثر عشرات الرسوم والجبايات المؤقتة.
لذلك فإن معركة الإيرادات الحقيقية ليست معركة تحصيل، وإنما معركة إنتاج وتنمية واستثمار وإصلاح مؤسسي شامل. ومتى ما نجحت الدولة في توسيع الاقتصاد الحقيقي، فإن الإيرادات العامة ستنمو تلقائيًا، وستمتلك البلاد القدرة على تمويل التنمية وإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي المنشود.
مبارك محمود الضوي/ خبير اقتصادي ١٤ /يونيو ٢٠٢٦
