في أوقات الحروب والانهيارات الكبرى، لا تكشف المقالات السياسية فقط عن مواقف أصحابها، وإنما تكشف أيضاً عن طبيعة التحولات العميقة التي تضرب وعي المجتمعات وخطاب نخبها. ومقال الصحفية عائشة الماجدي المعنون:
«لن ندفع الفاتورة مرتين يا سعادة الفريق البرهان.. لكن يبدو أننا سندفعها ثلاثة»
يأتي بوصفه نموذجاً واضحاً لهذا التحول؛ فهو في ظاهره مقال يحذر من التفلتات الأمنية وانتشار السلاح داخل العاصمة، لكنه في عمقه يحمل قدراً كبيراً من القلق الجهوي والخوف الاجتماعي الذي بدأ يتشكل داخل الوعي السوداني بعد الحرب.
لا أحد يستطيع إنكار أن السودانيين عاشوا تجربة قاسية مع تمدد المليشيات وتحولها من قوة مساندة إلى قوة تنازع الدولة نفسها. كما لا يمكن التقليل من مخاوف المواطنين من أي مظاهر انفلات أمني داخل الخرطوم، خاصة بعد ما شهدته البلاد من قتل ونهب وتشريد وانتهاكات واسعة. لذلك فإن جزءاً من المقال يبدو مفهوماً حين يدعو إلى حصر السلاح داخل مؤسسات الدولة، وإعادة الشرطة للقيام بدورها الطبيعي، ومنع أي قوة عسكرية من استباحة المدن أو إذلال المواطنين.
لكن الإشكال الحقيقي في المقال لم يكن في أصل المخاوف، وإنما في اللغة التي جرى بها التعبير عن هذه المخاوف، لأن اللغة هنا لم تظل داخل حدود النقد السياسي، بل انزلقت تدريجياً نحو خطاب جهوي واستعلائي مبطن.
منذ بداية المقال، كانت الكاتبة تستخدم ضمير “نحن” بصورة لافتة، لكن دون تعريف واضح لهذا الـ“نحن”. غير أن السياق كان يكشف شيئاً فشيئاً أن المقصود ليس السودانيين جميعاً، وإنما شريحة اجتماعية وثقافية محددة يجري التعبير عنها ضمنياً باعتبارها صاحبة الخرطوم وصاحبة الدولة وصاحبة الحق في القلق والغضب.
ويظهر ذلك بوضوح عندما أشارت الكاتبة إلى ما يُعرف اجتماعياً بـ“أولاد النهر والبحر”، ثم أتبعت ذلك بعبارة: “حلماء نعم لكن حلمهم ليس ضعفاً وإذا قاموا فلا تبقي ولا تذر”.
هذه العبارة تبدو للوهلة الأولى مجرد تعبير غاضب، لكنها في الحقيقة تحمل بنية خطابية خطيرة، لأنها تقسم السودانيين بصورة ضمنية إلى: “نحن” أصحاب الحلم والصبر، في مقابل “هم” الذين تجاوزوا الحدود ويقتربون من استفزاز الجماعة المركزية.
وهنا لا يعود الحديث عن مواطنين داخل دولة واحدة، بل عن جماعات متقابلة تعيش حالة توتر وخوف متبادل.
هذه اللغة ليست جديدة على السودان، بل هي جزء من الأزمة التاريخية التي ظلت تعيد إنتاج الصراع بين المركز والهامش. فكلما ضعفت الدولة، عادت الجماعات إلى تعريف نفسها وفق الانتماء الجهوي والثقافي، لا وفق مفهوم المواطنة.
الأخطر من ذلك أن المقال لم يكتفِ بالتحذير من التفلتات، بل بدأ يربط بصورة مستمرة بين القوات المشتركة وبين تجربة الدعم السريع، وكأن هناك محاولة لبناء صورة ذهنية تقول إن هذه القوات تحمل في داخلها مشروع الخطر القادم.
وهنا تكمن المشكلة؛ لأن النقد المشروع لأي انتهاكات أو تجاوزات يجب أن يكون موجهاً إلى السلوك والممارسة، لا إلى المكونات الاجتماعية التي تنتمي إليها هذه القوات. فعندما يتحول الخوف من سلوك أفراد إلى خوف من جماعات كاملة، يصبح الخطاب أقرب إلى الشيطنة الاجتماعية منه إلى النقد السياسي.
ثم جاءت العبارة التي طالبت فيها الكاتبة بـ: “تنظيف العاصمة من المظاهر العسكرية”.
في ظاهرها تبدو دعوة منطقية لإخراج السلاح من المدن، لكن الكلمات لا تُقرأ بمعزل عن السياق. فحين يأتي لفظ “تنظيف” داخل مقال يقوم أساساً على تصوير جماعة محددة باعتبارها مصدر تهديد، فإن الكلمة تكتسب حمولة رمزية خطيرة، لأنها توحي بأن هناك “جسماً غير مرغوب فيه” ينبغي التخلص منه.
ولهذا فإن مفردات مثل: “تنظيف”، “تطهير”، “إزالة”، حين تُستخدم في مجتمعات منقسمة ومشحونة، تصبح كلمات شديدة الحساسية، لأنها قد تُفهم بوصفها دعوة لإقصاء جماعات بعينها، لا مجرد معالجة ظواهر أمنية.
لكن أكثر فقرات المقال إثارة للقلق كانت حديث الكاتبة عن قادة دارفور حين سألت: “هل اشتغلوا على التعليم حتى يتحولوا لناس متعلمين؟”
هذه العبارة تجاوزت نقد القيادات السياسية إلى التلميح السلبي تجاه مجتمع كامل. فهي لا تتحدث عن فشل الدولة في التعليم أو غياب التنمية، وإنما تحمل إيحاءً بأن هناك جماعة بشرية تحتاج “لتصبح متعلمة”، وكأن الجهل صفة ملازمة لها.
وهذا النوع من الخطاب هو ما يمكن وصفه بـ“العنصرية الناعمة” أو “الاستعلاء الثقافي المبطن”، لأنه لا يأتي في صورة شتائم مباشرة، وإنما في صورة تهكم وسخرية وإيحاءات تبدو عادية لكنها تحمل احتقاراً ضمنياً للآخر.
والحقيقة أن أزمة السودان ليست أزمة شعوب جاهلة أو متخلفة، وإنما أزمة دولة فشلت لعقود في بناء مشروع وطني عادل يوزع التعليم والتنمية والسلطة بصورة متوازنة بين الأقاليم. كما أن دارفور نفسها قدمت للسودان آلاف المتعلمين والمثقفين والأطباء والأكاديميين، شأنها شأن بقية مناطق السودان.
المفارقة الكبرى في المقال أن الكاتبة ترفض خطاب الكراهية حين يصدر من الطرف الآخر، لكنها وقعت هي نفسها في إنتاج خطاب مضاد يقوم على التهديد الرمزي والاستعلاء الجهوي. فهي ترفض الاستقواء بالسلاح، لكنها تستدعي لغة: “إذا قمنا فلا تبقي ولا تذر”.
وترفض الإذلال، لكنها تستخدم لغة تحمل احتقاراً مبطناً تجاه مجتمعات أخرى.
وهذا يكشف أزمة أعمق داخل المجال العام السوداني؛ فالكثير من الناس يرفضون العنصرية حين تُمارس ضدهم، لكنهم لا ينتبهون إلى العنصرية التي يمارسونها هم ضد الآخرين بصورة أكثر نعومة.
السودان اليوم لا يحتاج إلى خطاب “النهر والبحر” في مواجهة دارفور، ولا إلى صناعة خوف متبادل بين المركز والهامش، لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه البلاد هو أن يتحول الصراع السياسي إلى صراع هويات وجماعات.
لقد دفع الجميع ثمن هذه الحرب: في الخرطوم، وفي الفاشر، وفي الجنينة، وفي الجزيرة، وفي كردفان.
ولا أحد يملك حق احتكار الوطنية أو احتكار الألم.
المعركة الحقيقية ليست بين أبناء السودان، وإنما بين مشروع الدولة ومشروع الفوضى. ولذلك فإن مسؤولية الكتاب والصحفيين والمثقفين اليوم لا تقتصر على نقد الانتهاكات، بل تشمل أيضاً حماية اللغة نفسها من الانزلاق إلى الكراهية والاستعلاء والجهوية.
فالكلمات في أزمنة الانقسام قد تتحول إلى وقود للحروب أكثر من الرصاص.
،،، تحياتي ،،،
