السبت, يونيو 13, 2026
الرئيسيةمقالاتمن القاهرة إلى أرض الكرامة… شهادة في مسيرة الفريق إبراهيم الماظ دينق...

من القاهرة إلى أرض الكرامة… شهادة في مسيرة الفريق إبراهيم الماظ دينق في زمن الحرب. الكاتبة والإعلامية/ عبير نبيل محمد

✒️ الكاتبة والإعلامية/ عبير نبيل محمد

ليس كل ما يُكتب في زمن الحرب يُقرأ كحروفٍ عابرة… فبعض النصوص تُولد من بين الرماد، وتخرج من بين أنين المدن لتصبح شهادةً على زمنٍ لم يكن عاديًا، وعلى رجالٍ لم يكونوا عابرين.

في لحظاتٍ تتشظى فيها الجغرافيا بين رصاصٍ وحنين، يطل سعادة الفريق إبراهيم الماظ دينق، مستشار رئيس حركة العدل والمساواة السودانية، كأحد الذين لم تغرهم المسافات، ولم تُربكهم التحولات، بل ظل حضوره امتدادًا لفكرةٍ واحدة: أن الوطن لا يُغادر القلب مهما ابتعد الجسد.

هنا لا نتحدث عن منصبٍ يُذكر، بل عن رجلٍ صار موقفًا، وعن اسمٍ تماهى مع ثقل اللحظة السودانية، حين صار البقاء فعلًا، والصمت خيانة، والكلمة مسؤولية تُشبه الدم.

في زمن الحرب، لا تُقاس الرجال بما يقولون، بل بما يصمتون عنه حين يكون الكلام أقل من وجع الحقيقة. فالأوطان حين تمتحن أبناءها، لا تترك مجالًا للترف، بل تضعهم أمام مرآةٍ قاسية لا تُجامل أحدًا.

وفي السودان، حيث يتكاثف الغبار فوق الذاكرة، ويصبح الانتظار طقسًا يوميًا يشبه الصلاة، لم تكن الحرب مجرد حدث… بل كانت انكسارًا طويلًا في قلب الناس، وامتحانًا للمعنى ذاته: معنى أن تبقى إنسانًا حين يفقد العالم ملامحه.

ومن خلال تتبع حضوره في الخطاب والموقف، لم يكن الفريق إبراهيم الماظ دينق مجرد صوتٍ سياسي، بل كان أقرب إلى نبرةٍ تُذكّر بأن الثبات ليس شعارًا، بل عبءٌ يُحمل بصمت، وأن المعركة ليست فقط في الميدان، بل في الداخل أيضًا… في القدرة على ألا تسقط الروح رغم كل ما يسقط حولها.

وفي قلب الصحراء، حيث تتشابه الوجوه مع الغبار، وتختلط الهتافات بنبض الأرض، كان رجال القوات المشتركة يكتبون سطورًا لا تُدوَّن بالحبر، بل بالعرق والتعب واليقين. رجالٌ تركوا خلفهم دفء البيوت، ومضوا نحو قسوةٍ اختاروها كي لا تنهار البلاد.
هناك، لا تُسمع الأناشيد بقدر ما يُسمع صدى الإرادة، ولا تُرى البطولة كصورة، بل كعينٍ لم تنم، وكجسدٍ رفض الانكسار رغم ثقل الطريق.

وفي محطة القاهرة، حيث توقفت الرحلة عند حدود العلاج لا عند حدود الانتماء، ظل الوطن حاضرًا كجرحٍ لا يهدأ. جسدٌ يداوي نفسه، وقلبٌ لم يغادر الميدان، وكأن الغياب الجغرافي لا يملك سلطةً على الوجدان حين يكون الانتماء عميقًا إلى هذا الحد.
ثم جاءت العودة…

لا كخطوةٍ عادية بين مدينتين، بل كفعلٍ رمزيٍّ يُشبه الانحياز الكامل للحظةٍ وطنيةٍ مشتعلة، وكأن المسافة بين القاهرة وأرض الكرامة لم تكن طريقًا، بل امتحانًا آخر لمعنى البقاء في قلب العاصفة.

في تلك اللحظة، لم يعد الحضور خطابًا ولا موقعًا، بل صار ظلًا لفكرةٍ أكبر من الأشخاص: أن الأوطان تُحمى بالوجود داخلها، لا من على أطرافها، وأن بعض القرارات تُشبه الولادة من جديد في قلب الخطر.
وحين يهدأ هذا الضجيج يومًا، لن تسأل الذاكرة عن عدد الخطب، بل عن أولئك الذين وقفوا حين كان الوقوف مكلفًا، وعن الذين لم يختاروا السلامة على حساب المعنى، بل اختاروا أن يكونوا جزءًا من النار كي لا تنطفئ البلاد.

فالذاكرة لا تحفظ الأصوات العالية، بل تحفظ الوجوه التي لم تهرب، والقلوب التي بقيت، والمواقف التي تشبه الضوء في آخر النفق، مهما طال الظلام.
وهكذا، تُكتب هذه المسيرة لا كسيرة منصب، بل كأثرٍ لإنسانٍ مرّ في زمنٍ صعب، وترك خلفه ما يشبه البصمة في ذاكرة وطنٍ يتعلم كيف ينهض من رماده.

ختامًا..
سلامٌ وأمان فالعدل ميزان
سلامٌ على من حملوا الوطن في صدورهم حين ضاق به العالم، وعلى من جعلوا من الصبر طريقًا، ومن الألم معنىً، ومن البقاء موقفًا.

من أرض الكرامة إلى قلب الميدان… تمضي الحكايات، ويبقى الإنسان هو الحقيقة الوحيدة حين يختبره الوطن.

التوقيع ..
أنا الرسالة حين يضيع البريد، امرأةٌ من حبر النار… أكتب بين وجع الوطن وأمل الغد، لا أنحني للحروف حين تثقلها الجراح، ولا أغيب حين يعلو صوت الرماد.

بين وجع الوطن وأمل الغد

✒️ عبير نبيل محمد
امرأةٌ من حبر النار

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات