الاستاذ/ زكريا علي عبدالرسول
كاتب ومحلل سياسي
لم تعد الأزمة السودانية تُدار بمنطق الحرب الداخلية وحدها، ولا يمكن اختزالها في صراع بين طرفين عسكريين أو توازنات سياسية متحركة. فالمشهد، في جوهره العميق، انتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً واتساعاً، حيث تتداخل فيها أدوات الصراع المحلي مع هندسات سياسية تُصاغ خارج الحدود، وتُدار عبر منصات إقليمية ودولية باتت تؤثر في شكل الدولة السودانية ومستقبلها أكثر من تأثير الفاعلين الداخليين أنفسهم.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن ما يجري اليوم ليس مجرد محاولة لوقف حرب، بل هو مسار متكامل لإعادة ترتيب السودان سياسياً ومؤسسياً، وفق رؤية دولية تتشكل تدريجياً عبر سلسلة من المؤتمرات والمشاورات، بدءاً من مؤتمر برلين، مروراً باجتماعات أديس أبابا، وصولاً إلى اللقاءات المتكررة بين الأطراف السودانية والبعثات الأممية، وما يتداول في دوائر القرار الغربية، خصوصاً في واشنطن، بشأن طبيعة تصنيف الفاعلين على الأرض وإعادة تعريف الشرعية السياسية في السودان.
إن قراءة متأنية لهذه المسارات تكشف أن المجتمع الدولي لم يعد يتعامل مع الأزمة بوصفها حالة طارئة قابلة للاحتواء السريع، بل باعتبارها فرصة لإعادة صياغة البنية السياسية للدولة السودانية من جذورها. وهو تحول نوعي في المقاربة الدولية، من إدارة الأزمة إلى هندسة ما بعدها.
فمؤتمر برلين، رغم طابعه الإنساني المعلن، حمل في عمقه السياسي محاولة واضحة لإعادة ترتيب القوى المدنية والسياسية السودانية، وفتح الطريق أمام تشكيل أطر جديدة يمكن أن تُستخدم لاحقاً كمرجعية لمرحلة انتقالية مختلفة. ثم جاءت لقاءات أديس أبابا لتواصل هذا المسار عبر محاولة جمع قوى سياسية ومدنية في إطار تفاهمات دولية، تعكس في مضمونها رغبة في بناء “مظلة سياسية بديلة” تُدار من الخارج بقدر ما تُستمد شرعيتها من الداخل.
وفي موازاة ذلك، يظهر التناقض الظاهري في المواقف الغربية، خاصة داخل النقاشات الأمريكية، بين اتجاه يدفع نحو تصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية نتيجة الانتهاكات الواسعة، واتجاه آخر يطرح تساؤلات حول شرعية الحكومة السودانية نفسها. غير أن هذا التناقض لا يعكس ارتباكاً بقدر ما يعكس مقاربة مزدوجة تهدف إلى إبقاء جميع الأطراف تحت الضغط، ومنع أي طرف من حسم المشهد بصورة منفردة.
إن الفكرة المركزية التي تحكم هذا المسار هي رفض السماح بعودة دولة سودانية قوية وموحدة القرار خارج نطاق التأثير الدولي، مقابل الدفع نحو تسوية سياسية طويلة الأمد تُبقي السودان في حالة إعادة تشكيل مستمرة، تسمح بإعادة توزيع النفوذ داخلياً وخارجياً وفق توازنات جديدة.
ومن هنا، فإن الحديث المتكرر عن “العملية السياسية الشاملة” و”الحكم المدني” و”الحوار السوداني” لا يمكن فصله عن هذا السياق الأوسع، حيث تتحول هذه المفاهيم من أدوات لحل الأزمة إلى أدوات لإعادة بناء النظام السياسي نفسه.
أما لقاء الفريق أول عبد الفتاح البرهان بالمبعوث الأممي، فيمكن قراءته باعتباره جزءاً من هذا التفاعل المعقد بين الداخل والخارج. فهو من جهة يعكس استمرار الاعتراف الدولي بالمؤسسة العسكرية كفاعل رئيسي لا يمكن تجاوزه، ومن جهة أخرى يكشف عن مساعٍ حثيثة لفتح مسارات سياسية موازية قد تتجاوز هذا الفاعل إذا تعذر دمجه في التسوية المقبلة بالشكل المطلوب دولياً.
لكن الأخطر في كل ذلك ليس في إدارة الحرب أو التفاوض حولها، بل في إعادة تعريف مفهوم الشرعية السياسية في السودان. فهناك اتجاه متزايد، وإن كان غير معلن بالكامل، نحو نقل مركز الشرعية من الداخل الوطني إلى الفضاء الدولي، بحيث يصبح الاعتراف الخارجي، والدعم الإقليمي، والقبول في المنصات الدولية، عناصر حاسمة في تحديد من يمثل السودان سياسياً، بدلاً من الإرادة الداخلية أو السيطرة الفعلية على الأرض.
وهذا التحول، إن اكتمل، يعني عملياً إعادة صياغة مفهوم الدولة نفسه، بحيث تتحول السيادة من كونها تعبيراً عن الإرادة الوطنية إلى كونها نتيجة لتوافقات دولية تُصاغ خارج الحدود.
في ضوء ذلك، يمكن فهم لماذا تُعقد المؤتمرات خارج السودان، ولماذا تُصاغ الوثائق السياسية في عواصم إقليمية ودولية، ولماذا تتكرر محاولات إنتاج تحالفات مدنية جديدة تُمنح لاحقاً صفة الشرعية السياسية. فالمسار العام يشير إلى أن السودان يُعاد تشكيله عبر طبقات متعددة من التدخلات السياسية والدبلوماسية، وليس فقط عبر موازين القوة الداخلية.
وفي تقديري، فإن الدولة السودانية أمام لحظة فارقة تتطلب إعادة ضبط بوصلة الحركة على مستويين متوازيين:
أولاً: داخلياً، لا بد من الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء توافق وطني واسع، يفتح المجال أمام حوار سوداني شامل لا يقوم على الإقصاء أو الاصطفاف الحاد، بل على إعادة تعريف الحد الأدنى المشترك لمفهوم الدولة، بما يضمن توحيد الجبهة الداخلية وتقليل قابلية التدخل الخارجي في صناعة القرار الوطني.
ثانياً: خارجياً، تحتاج الدولة إلى إعادة صياغة خطابها الدبلوماسي بصورة أكثر احترافية وعمقاً، بحيث لا يكتفي بردود الفعل، بل يقدم رؤية سياسية متماسكة تخاطب المجتمع الدولي بلغة المصالح والتوازنات، مع توسيع دائرة التحالفات الإقليمية والدولية، وإعادة تموضع السودان بما يحمي هامش قراره الوطني داخل النظام الدولي.
إن السودان اليوم لا يواجه مجرد حرب، بل يواجه لحظة إعادة تعريف شاملة لدولته، وحدوده السياسية، وطبيعة شرعيته، وموقعه في الإقليم. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي أن تُدار المعارك في الميدان وحده، بل يجب أن تُدار أيضاً في فضاء السياسة والدبلوماسية، حيث تُصنع القرارات التي قد ترسم شكل الدولة لسنوات طويلة قادمة. :::
،،، تحياتي ،،،
