الجمعة, يونيو 12, 2026
الرئيسيةمقالاتبين مطرقة الدولار وسندان الترحيل: هل بات المواطن وحيداً في مواجهة العاصفة؟...

بين مطرقة الدولار وسندان الترحيل: هل بات المواطن وحيداً في مواجهة العاصفة؟ بقلم: مجتبى ميرغني

​لم يعد الارتفاع المتتالي للأسعار مجرد خبر عابر في نشرات الاقتصاد، بل أصبح واقعاً يومياً يفرضه صعود الدولار وتذبذب أسعار الوقود. هذا المشهد يضع المواطن البسيط في مواجهة مباشرة مع ضغوط معيشية خانقة. وإذا أردنا توخي الإنصاف، فإن جزءاً من هذه الموجات الغلائية يجد تبريره في المنطق الاقتصادي؛ ففي بلد مترامي الأطراف يعتمد كلياً على الشاحنات لنقل البضائع من مناطق الإنتاج إلى الأسواق، تصبح تكلفة النقل والترحيل رقماً صعباً في معادلة التسعير لا يمكن تجاوزه.
​بطبيعة الحال، فإن أي زيادة في أسعار الوقود تترجم فوراً إلى قفزة في أجور الشحن وتكاليف التخزين والتوزيع. يضاف إلى ذلك أن ارتدادات الدولار ترفع تلقائياً من فاتورة استيراد السلع الأساسية والمواد الخام اللازمة للصناعة المحلية. هذه حقائق وهياكل اقتصادية واضحة، وإنكارها لن يحل المشكلة ولن يغير من الواقع شيئاً.
​جشع مستتر أم واقع اقتصادي؟
​لكن، أين تكمن المشكلة الحقيقية؟ تظهر علامات الاستفهام المشروعة عندما نرى بضائع غصت بها المخازن منذ أشهر، ارتفعت أسعارها بين ليلة وضحاها لمجرد صدور قرار بتحريك أسعار الوقود أو الدولار! وهنا يبرز الخيط الرفيع بين:
​الزيادة الحتمية: الناتجة عن ارتفاع التكلفة الفعلية للمدخلات والتشغيل.
​التربح الاستغلالي: القائم على المضاربة، واقتناص الفرص، وغياب الرقابة لتحقيق أرباح فاحشة على حساب القوة الشرائية للمستهلك.
​إن الهدف اليوم ليس الدخول في معركة مع التجار أو تحويلهم إلى “شماعة” للأزمة، فهم أيضاً يواجهون تحديات معقدة تتعلق بتمويل تجارتهم وتأمين خطوط إمدادهم. الهدف هو إيجاد صيغة توازن عادلة ترعاها الدولة لضبط هذه العلاقة المتشابكة بين تاجر يريد الاستمرار، ومواطن يصارع للحصول على لقمة العيش.
​خارطة طريق نحو الاستقرار
​الخروج من هذه الدوامة يتطلب حلولاً عملية على الأرض، وليس مجرد مسكنات مؤقتة. وتتمثل أبرز هذه الحلول في:
​إعادة الروح للرقابة: تفعيل آليات الرقابة على الأسواق والمخازن، ومراجعة هوامش الأرباح لضمان عدم استغلال التقلبات الاقتصادية.
​تخفيف عبء النقل: خفض الرسوم والجبايات المفروضة على الطرق البرية، وتحسين البنية التحتية، وضمان تدفق الوقود بأسعار مستقرة، مما ينعكس إيجاباً على خفض تكلفة الترحيل.
​الرهان على الإنتاج المحلي: دعم المزارعين والمصنعين المحليين لزيادة المعروض وتوسيع دائرة المنافسة. فكلما تراجع الاعتماد على الاستيراد، تخلص الاقتصاد تدريجياً من سطوة الدولار ومفاجآته.
​خلاصة القول
​المواطن لا يعيش في معزل عن الواقع، وهو يدرك تماماً أن للأزمات العالمية والمحلية ضريبة. لكنه في المقابل، يطالب بـ عدالة التسعير وحماية حقيقية من الاستغلال. إن استقرار الأسواق لن يتحقق بقرارات فوقية، بل بتكامل حقيقي في الأدوار بين حزم الدولة التنظيمية، ومسؤولية القطاع الخاص، ووعي المجتمع.. منظومة متكاملة تضمن بقاء النشاط التجاري حياً، وتحمي المستهلك من الغرق.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات