الاستاذ/ زكريا علي عبدالرسول
كاتب ومحلل سياسي
في خطوة سياسية ودستورية بالغة الحساسية، أجاز مجلس الوزراء السوداني يوم أمس الأربعاء 10 يونيو 2026م، خلال اجتماعه الدوري بالخرطوم برئاسة رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس، مشروع قانون نظام الحكم الإقليمي لدارفور لسنة 2026م، والذي قدمه وزير العدل عبد الله محمد درف، باعتباره أحد أبرز الاستحقاقات المرتبطة باتفاق جوبا للسلام. وقد جاءت إجازة المشروع في ظل ظروف استثنائية تمر بها البلاد، تتداخل فيها الحرب والانقسام السياسي والأسئلة المعقدة حول مستقبل الدولة السودانية وشكل نظام الحكم بعد انتهاء النزاع.
دارفور ليست مجرد إقليم عادي في الخارطة السودانية، بل تمثل عقدة تاريخية وسياسية وإنسانية تراكمت فيها أزمات التهميش والحرب والنزوح والانقسام الاجتماعي. ولذلك فإن أي حديث عن نظام حكم إقليمي لدارفور لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد إجراء إداري، وإنما باعتباره مشروعاً سياسياً كاملاً قد يعيد رسم ملامح السودان القادم.
المؤيدون للقانون يرون فيه خطوة ضرورية لاستعادة التوازن التاريخي الذي اختل لعقود طويلة بسبب مركزية الدولة السودانية، ويعتبرون أن الحكم الإقليمي يمنح أهل دارفور قدرة أكبر على إدارة مواردهم وقضاياهم الأمنية والتنموية والاجتماعية، خاصة في ظل الانهيار الذي أصاب مؤسسات الدولة المركزية خلال الحرب الحالية. كما أن أنصار المشروع يستندون إلى كونه جزءاً أصيلاً من اتفاق جوبا للسلام، وبالتالي فإن تعطيله أو التراجع عنه قد يُفسَّر باعتباره تنصلاً من التزامات سياسية وقانونية تم التوافق عليها سابقاً.
لكن في المقابل، تبرز مخاوف حقيقية لا يمكن تجاهلها. فالسؤال الجوهري ليس فقط: هل تحتاج دارفور إلى حكم إقليمي؟ بل: أي نوع من الحكم الإقليمي نريد؟ وهل سيؤدي فعلاً إلى معالجة جذور الأزمة، أم أنه قد يتحول إلى طبقة جديدة من التعقيد السياسي والصراع على النفوذ؟
إن التجربة السودانية علمتنا أن الأزمات لا تُحل بمجرد إنشاء هياكل جديدة، إذا لم تُبنَ على مشروع وطني جامع وعدالة حقيقية وتوافق سياسي واسع. فدارفور اليوم ليست فقط ساحة نزاع عسكري، بل أيضاً مساحة مكتظة بالتعقيدات القبلية والسياسية والحركات المسلحة وتداخل السلطات ومشكلات الأرض والحواكير والعودة الآمنة للنازحين واللاجئين. وهذه الملفات لا يمكن إدارتها بعقلية المحاصصة أو بمنطق الغلبة السياسية.
غير أن جزءاً مهماً من الجدل الدائر حول مشروع الحكم الإقليمي يرتبط أيضاً بالتجربة السابقة للإدارة الإقليمية بعد اتفاق جوبا، والتي يرى كثيرون أنها لم تُحدث الانعكاس الإيجابي المتوقع على حياة المواطنين في دارفور، سواء على مستوى الأمن أو الخدمات أو الاستقرار الإداري. بل إن حالة من الإحباط الشعبي بدأت تتصاعد نتيجة الشعور العام بأن بعض مؤسسات المرحلة السابقة تأثرت بدرجات متفاوتة بالمحاصصات الإثنية والعشائرية في توزيع المناصب ومراكز النفوذ، الأمر الذي أضعف الإحساس بالعدالة السياسية والتوازن المجتمعي داخل الإقليم. وقد أسهم ذلك في تعميق الشكوك لدى قطاعات واسعة من المواطنين حول قدرة التجربة على تمثيل جميع مكونات دارفور بروح وطنية جامعة، بعيداً عن الاصطفافات الضيقة والانتماءات الأولية. ولذلك فإن نجاح أي صيغة جديدة للحكم الإقليمي سيظل مرهوناً ببناء مؤسسات تقوم على الكفاءة والعدالة والشراكة الحقيقية، لا على إعادة إنتاج الولاءات الضيقة تحت غطاء السلطة الإقليمية.
كما أن توقيت إجازة القانون يطرح تساؤلات إضافية، في ظل غياب مؤسسات تشريعية منتخبة، واستمرار الحرب، والانقسام السياسي الحاد الذي يعيشه السودان. إذ يخشى البعض أن يتحول القانون إلى خطوة تُقرأ باعتبارها إعادة توزيع للسلطة داخل الأزمة، بدلاً من أن تكون جزءاً من مشروع وطني متكامل لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة.
ومن زاوية أخرى، فإن منح دارفور وضعاً إقليمياً واسع الصلاحيات سيعيد تلقائياً فتح النقاش حول بقية أقاليم السودان، خاصة في الشرق وكردفان والشمال، وهو ما قد يدفع البلاد نحو مراجعة شاملة لطبيعة النظام الفيدرالي الحالي، وربما نحو دولة أقاليم كاملة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الدستورية الواضحة.
غير أن أخطر ما في القضية هو احتمال تحويل الحكم الإقليمي إلى أداة استقطاب سياسي أو إثني، بدلاً من كونه وسيلة لتعزيز الوحدة والاستقرار. فنجاح أي تجربة حكم إقليمي لا يقاس بحجم السلطات الممنوحة، بل بقدرتها على تحقيق العدالة، وبناء مؤسسات مهنية، وحماية التعايش الاجتماعي، وضمان الحقوق التاريخية للسكان، وفي مقدمتها قضايا الأرض والحواكير وعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم الأصلية.
إن دارفور لا تحتاج فقط إلى قانون جديد، بل تحتاج إلى مشروع سلام حقيقي يعيد الثقة بين مكونات الإقليم، ويؤسس لسلطة تقوم على الشراكة لا الهيمنة، وعلى المواطنة لا الاصطفاف، وعلى التنمية لا إعادة تدوير الصراع.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الدولة السودانية اليوم هو كيفية تحويل الحكم الإقليمي من مجرد نص قانوني إلى فرصة حقيقية لبناء سودان جديد، يتسع للجميع، ويعترف بالتنوع، ويؤمن بأن وحدة البلاد لا تُحمى بالقوة، وإنما بالعدالة والإنصاف والشراكة الوطنية المتوازنة. :::
،،، تحياتي ،،،
