الثلاثاء, يونيو 9, 2026
الرئيسيةمقالاتالمحرقة المنسية: كيف تواطأ "الضمير الدولي" على ذبح السودان؟. ...

المحرقة المنسية: كيف تواطأ “الضمير الدولي” على ذبح السودان؟. بقلم/ حمد يوسف حمد


في عالمٍ يدّعي الركض خلف قيم حقوق الإنسان، ويتباكى مجتمعه الدولي على حماية المدنيين في بقاعٍ شتى من الأرض، يواجه الشعب السوداني اليوم واحدة من أبشع كوارث العصر الحديث؛ مأساةٌ مكتملة الأركان تتجاوز حدود النزاع المسلح لتصل إلى مصاف الإبادة الجماعية، التطهير العرقي، التهجير القسري، والانتهاكات الممنهجة التي طالت الأعراض والمقدسات. ومع كل هذا الدمار، يلوذ العالم بصمت مريب، وكأن الدم السوداني بلا ثمن، وكأن أنين الضحايا لا يملك الصدى الكافي ليزعج ضمير المؤسسات الدولية.
إن هذا الصمت العالمي ليس عجزاً بمقدار ما هو خطيئة سياسية وإخفاق أخلاقي يسقط فيه المجتمع الدولي للمرة الألف. لقد كشفت الأزمة السودانية بوضوح عن عورة “ازدواجية المعايير” التي تحكم صناعة القرار في العواصم الكبرى. فالاهتمام والتحرك والدعم لا يأتي بناءً على حجم المعاناة الإنسانية، بل يتم تفصيله بدقة على مقاس المصالح الإستراتيجية والجغرافية. فبينما تُسخر المليارات وتُعقد المؤتمرات الطارئة لأزمات أخرى، تُترك القضية السودانية في مؤخرة الأولويات، كأزمة منسية في قارة لطالما أرهقها التهميش.
يتواطأ في هذه الجريمة تكتيمٌ إعلامي متعمد وصناعة واعية لـ “الإرهاق الإخباري”. إذ تسعى القوى المستفيدة من استمرار محرقة السودان إلى تصوير ما يحدث للمواطن الغربي على أنه مجرد “صراع تقليدي على السلطة بين جنرالين”، متجاهلين حقيقة أن هنالك شعباً كاملاً يُهجّر من أرضه، وتُنهب مقدراته، وتُباد قراه، ويُحرم من أبسط مقومات الحياة من دواء وغذاء. لقد تحول انقطاع شبكات الاتصالات المتعمد إلى سلاح لحجب الجريمة، بينما تقف المنظمات الأممية عاجزة حتى عن إيصال المساعدات الإنسانية لمن يموتون جوعاً في مراكز النزوح واللجوء.
إن الرهان على “الضمير العالمي” في غياب آليات رادعة هو رهان صِفري. والمجتمع الدولي لن يتحرك ما لم تُهَدَّد مصالحه المباشرة، أو يُحرج إعلامياً بالقدر الذي يهدد صورته الديمقراطية الزائفة. ومن هنا، يصبح الواجب الإنساني والمهني يحتم على كل قلم حر وصحفي شريف كسر هذا الطوق المضروب حول السودان. يجب ألا تتوقف عدساتنا وأقلامنا عن التوثيق والنشر، وإيصال صوت الضحايا والمغتصبات والمشردين إلى منابر العدالة الدولية، ليس استجداءً لعطفٍ، بل انتزاعاً لحق وبناءً لملفات لن تسقط بالتقادم ضد كل من أطلق رصاصة, أو موّل حرباً، أو صمت عن منكر.
سينتهي هذا النفق المظلم يوماً، فالشعوب الحيّة لا تموت بالرصاص ولا تفنيها المؤامرات. وسيسجل التاريخ في صفحاته السوداء أن العالم وقف يتفرج بينما كان السودان ينزف، لكنه سيسجل أيضاً أن الشعب السوداني واجه محنته بصلابة وكرامة، وعبر إلى بر الأمان بقوة الحق وصمود المخلصين من أبنائه.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات