انتحار سياسي على مقصلة التعليم جاء في حلقة جديدة من مسلسل التخبط السياسي والمحاولات المستميتة لفرض واقع زائف، أعلنته ما تُسمى بـ “حكومة التأسيس” — تلك النبتة الشائهة التي نبتت بلا أصل شرعي ولا فصل قانوني — عن عزمها عقد امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في المناطق التي تزعم السيطرة عليها. خطوةٌ لا يمكن قراءتها إلا كفصلٍ من فصول الانتحار السياسي المعلن، ومحاولة بائسة لبناء شرعية مفقودة على أنقاض مستقبل أجيالٍ كاملة.
إنّ الشهادة الثانوية السودانية ليست ورقة تُمنح للطلاب لولوج عتبات التعليم العالي، إنما هي رمز سيادي من طراز رفيع ، وجزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية والدولية للدولة السودانية. إن هذا الإرث الأكاديمي لم يأتِ من فراغ، إنما نحتته عقود من الانضباط والحراسة الفنية الصارمة:
- 1938: انطلق أول امتحان تحت مسمى “شهادة كامبريدج”، واضعاً اللبنة الأولى للاعتراف الدولي.
- 1954: تحولت إلى شهادة مشتركة بين السودان وبريطانيا، في مرحلة انتقالية عززت من متانتها الأكاديمية.
- 1981: استقلت الشهادة تماماً لتصبح سودانية خالصة، محميةً بوزارة التربية والتعليم كجهة حصرية وحيدة تملك حق الإشراف، والتأمين، والمنح.
هذا التاريخ العريق أفرز اشتراطات فنية وأكاديمية صارمة جعلت العالم بأسره، بجامعاته ومؤسساته الدولية، ينحني احتراماً لهذه الشهادة ويعتمدها كمعيار موثوق للتأهيل الأكاديمي.
إن محاولة أي كيان متمرد أو حكومة أمر واقع “منبتة” تزييف هذا الواقع هي قفزة في فراغ عدم الاعتراف الدولي. فالعالم المؤسسي لا يتعامل مع أوهام السيطرة الجغرافية المؤقتة، ولكنه يتعامل مع الدولة السودانية الرسمية وعبر قنواتها الشرعية المتمثلة في وزارة التربية والتعليم . فإن إصدار شهادات خارج هذا الإطار الشرعي لا يعدو كونها قسائم مزورة بلا قيمة قانونية أو أكاديمية. والمفارقة الصارخة هنا، هي أن من يدعون التأسيس يدركون تماماً أن جامعات العالم — بل وحتى الجامعات الإقليمية — لن تعتمد ورقة صادرة عن جهة لا تملك صفة الدولة، مما يضع الطلاب وأولياء أمورهم في فخ الخديعة الكبرى.
كما لا يخفى على فطنة المراقب أن هذه الخطوة تأتي من باب الإلهاء السياسي قصير المدى محاولة لصناعة “بروباغندا” توحي بالاستقرار والتمكين، وشغل الرأي العام عن الإخفاقات العسكرية والسياسية المتلاحقة.
ولكن، حين يصل التلاعب إلى حد المساس بالشهادة السودانية، فإن الأمر يتعدى التكتيك السياسي ليصبح جريمة مباشرة ضد الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي . إن اللعب بمستقبل الأجيال، وتحويل قاعات الامتحانات إلى مسارح للمزايدات السياسية، هو تدمير ممنهج للبنية المعرفية للمجتمع، واستهانة تامة بأحلام الشباب الذين يُدفع بهم إلى محارق الجهل المقنع بشهادات لا تسمن ولا تغني من جوع.
لكن ستظل الشهادة السودانية عصية على الاختطاف والتلوين السياسي؛ فهي ملك للشعب السوداني وتاريخه العريق، وليست غنيمة حرب يتقاسمها العابرون في أروقة السياسة. إن الحفاظ على سمعة هذه الشهادة وحراسة شروطها الفنية هي معركة كرامة وطنية لحماية ما تبقى من سيادة الدولة. أما المحاولات المنبتة لإيجاد مسارات موازية، فمصيرها المزبلة التاريخية والقانونية، ولن تحصد هذه الحكومة المزعومة من وراء فعلتها سوى تعميق عزلتها، والتأكيد على أنها ليست سوى أداة هدم لركائز الوطن.
