في الوقت الذي تتحدث فيه الجهات الرسمية عن جهود إعادة الخدمات إلى المناطق المتأثرة بالحرب، يظل مربع (20) حي المغتربين في أبوسعد نموذجاً صارخاً لمعاناة المواطنين الذين عادوا إلى منازلهم بعد سنوات طويلة من النزوح، ليجدوا أنفسهم أمام واقع لا يقل قسوة عن واقع الحرب نفسها.
هذا الحي كان من أوائل الأحياء التي اجتاحتها قوات الدعم السريع منذ الأيام الأولى للحرب، واضطر سكانه إلى مغادرته بعد أسابيع قليلة فقط من اندلاع القتال. وعلى مدى الحرب ظل المربع تحت الاحتلال، قبل أن يتمكن الجيش من استعادته وتحريره قبل نحو عام . لكن المفارقة المؤلمة أن الكهرباء التي كانت متوفرة في الحي حتى لحظة دخوله دائرة الحرب، لم تعد حتى اليوم رغم مرور كل هذه المدة على التحرير.
المشهد داخل الحي لا يزال يحمل آثار الحرب بوضوح؛ سيارات محطمة، ومخلفات متناثرة، ومنازل هجرها أصحابها قسراً. أما الذين عادوا فقد عادوا مدفوعين بضيق الحال وطول أمد النزوح، وليس لأن الظروف أصبحت مناسبة للحياة.
وسط هذه المعاناة برزت تساؤلات واسعة بين السكان بعد تداول معلومات تفيد بأن إعادة التيار الكهربائي تتطلب دفع مبلغ (75) ألف جنيه عن كل منزل. وبحساب بسيط، فإن المبلغ الإجمالي المتوقع تحصيله من أكثر من (300) منزل يتجاوز عشرات الملايين من الجنيهات.
هنا يطرح المواطنون أسئلة مشروعة: لماذا يُطلب هذا المبلغ؟ وأين ستُصرف هذه الأموال؟ وما المبررات الفنية لذلك، خاصة أن المحول الكهربائي موجود بالفعل، والكابلات موجودة كذلك؟ وإذا كانت السلطات المحلية قد تحدثت سابقاً عن توفير المحولات ومعالجة مشكلات الشبكة، فما الذي يستدعي تحميل المواطنين أعباء مالية إضافية في هذا التوقيت؟
هذه الأسئلة لا تنبع من رغبة في التشكيك، بل من حق المواطنين في معرفة كيفية إدارة الأموال العامة والخدمات الأساسية. فالكهرباء ليست خدمة ترفيهية، وإنما ضرورة للحياة، خصوصاً في منطقة دفعت ثمناً باهظاً للحرب وفقد أهلها الأمن والاستقرار منذ اول يوم حرب وحتى اليوم
والأكثر إيلاماً أن مربع (20) يُعد من أكثر مربعات أبوسعد تضرراً من الحرب، ورغم ذلك يبدو أنه آخر من يحظى بالاهتمام المطلوب لإعادة الخدمات. فبدلاً من تشجيع المواطنين على العودة والاستقرار، يجد العائدون أنفسهم مطالبين بدفع رسوم جديدة للحصول على خدمة كانت متوفرة أصلاً قبل الحرب.
إن إعادة الإعمار لا تبدأ بالخرسانة والإسمنت وحدهما، بل تبدأ بإعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتقديم إجابات واضحة وشفافة حول القرارات التي تمس حياة الناس اليومية. لذلك فإن سكان مربع (20) لا يطالبون بالمستحيل، بل يطالبون فقط بحقهم في معرفة الحقيقة، وحقهم في الحصول على الكهرباء دون غموض أو شبهات أو أعباء إضافية لا يجدون لها تفسيراً مقنعاً.
ويبقى السؤال معلقاً: متى يخرج مربع (20) من ظلام الحرب إلى نور الخدمات؟
