السبت, يونيو 6, 2026
الرئيسيةمقالاتعلي حافة الحقيقة!! الأزمة السودانية منذ الاستقلال (5)

علي حافة الحقيقة!! الأزمة السودانية منذ الاستقلال (5)

الاقتصاد السوداني: ثراء الموارد وفقر الإدارة



الاستاذ / زكريا علي عبدالرسول
            كاتب ومحلل سياسي

إذا كانت أزمة الهوية قد أضعفت التماسك الوطني، وأزمة الحكم قد أضعفت الاستقرار السياسي، وأزمة المركز والأطراف قد غذّت النزاعات والاحتقان، فإن الأزمة الاقتصادية ظلت الخيط الذي ربط بين جميع هذه الأزمات، وتأثر بها في الوقت نفسه.
فالسودان، منذ الاستقلال، لم يكن بلداً فقيراً من حيث الموارد. بل على العكس، امتلك من المقومات ما جعله مؤهلاً ليكون واحداً من أبرز الاقتصادات في أفريقيا والعالم العربي. أراضٍ زراعية شاسعة، وموارد مائية كبيرة، وثروة حيوانية ضخمة، ومعادن متنوعة، وموقع جغرافي استراتيجي يربط بين أفريقيا والعالم العربي. ومع ذلك، ظل المواطن السوداني يعاني أزمات معيشية متكررة، وانهيارات اقتصادية متلاحقة، وتراجعاً مستمراً في مستوى الخدمات والإنتاج.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: كيف يمكن لدولة بهذا الحجم من الموارد أن تواجه هذا القدر من الأزمات الاقتصادية؟
الإجابة لا تكمن في نقص الموارد، بقدر ما تكمن في طبيعة إدارتها. فمنذ الاستقلال، لم ينجح السودان في بناء استراتيجية اقتصادية مستقرة ومستمرة تتجاوز تغير الحكومات والأنظمة السياسية. فكل مرحلة كانت تأتي بسياسات جديدة، وأولويات مختلفة، واتجاهات متباينة، ما جعل الاقتصاد يعيش حالة من عدم الاستقرار المزمن.
كما أن الاضطرابات السياسية والانقلابات المتكررة ألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد. فالمستثمر يحتاج إلى بيئة مستقرة، والمشروعات التنموية تحتاج إلى خطط طويلة الأمد، بينما كانت الدولة تنتقل باستمرار من مرحلة سياسية إلى أخرى، ومن أزمة إلى أزمة، ومن حرب إلى حرب.
وقد استنزفت النزاعات المسلحة جزءاً كبيراً من موارد البلاد لعقود طويلة. فالأموال التي كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم والصحة والبنية التحتية والزراعة، ذهبت في كثير من الأحيان إلى معالجة آثار الحروب أو تمويلها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهكذا دخل الاقتصاد في دائرة مفرغة، حيث تنتج الأزمات السياسية أزمات اقتصادية، وتؤدي الأزمات الاقتصادية بدورها إلى مزيد من التوترات السياسية والاجتماعية.
ومن العوامل التي عمقت الأزمة أيضاً الاعتماد المفرط على الموارد الأولية دون بناء قاعدة إنتاجية متينة. فعلى الرغم من الإمكانات الزراعية الهائلة، لم تتحول الزراعة إلى قاطرة حقيقية للتنمية المستدامة. كما أن فترات ازدهار بعض الموارد، مثل النفط في سنوات ما قبل انفصال جنوب السودان، لم تُستثمر بالقدر الكافي في بناء اقتصاد متنوع وقادر على مواجهة الصدمات.
وعندما انفصل جنوب السودان عام 2011، فقد السودان جزءاً مهماً من عائداته النفطية، فانكشفت هشاشة البنية الاقتصادية بصورة أكثر وضوحاً. وتوالت بعد ذلك الأزمات المرتبطة بالتضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية وارتفاع تكاليف المعيشة، حتى أصبحت الضغوط الاقتصادية جزءاً من الحياة اليومية للمواطن السوداني.
لكن الأزمة الاقتصادية لم تكن مجرد أرقام ومؤشرات مالية، بل انعكست على حياة الناس بصورة مباشرة. فقد تآكلت القوة الشرائية للرواتب، واتسعت دائرة الفقر، وتراجعت الخدمات الأساسية، وازدادت معدلات الهجرة الداخلية والخارجية بحثاً عن فرص أفضل للحياة والعمل.
كما أدت الأوضاع الاقتصادية الصعبة إلى إضعاف الثقة بين المواطن والدولة. فعندما يشعر المواطن أن دخله لا يغطي احتياجاته الأساسية، وأن فرص العمل تتراجع، وأن الخدمات العامة تتدهور، يصبح من الصعب الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي لفترات طويلة.
ومن الإنصاف القول إن الاقتصاد السوداني لم يكن ضحية السياسات الداخلية وحدها، بل تأثر أيضاً بعوامل خارجية عديدة، من العقوبات الاقتصادية في بعض المراحل، إلى تقلبات الأسواق العالمية، إلى تأثير النزاعات الإقليمية والدولية. غير أن هذه العوامل الخارجية لم تكن لتحدث هذا الأثر الكبير لولا وجود اختلالات داخلية متراكمة جعلت الاقتصاد أكثر هشاشة وأقل قدرة على الصمود.
واليوم، وفي ظل الحرب الدائرة وما خلفته من دمار واسع للبنية التحتية وتعطل للإنتاج والنشاط التجاري والخدمي، يواجه الاقتصاد السوداني أحد أصعب التحديات في تاريخه الحديث. ومع ذلك، فإن امتلاك الموارد وحده لا يزال غير كافٍ، كما أثبتت التجربة الطويلة منذ الاستقلال. فالتحدي الحقيقي يكمن في بناء مؤسسات قوية، وإدارة رشيدة، وسياسات مستقرة، ورؤية تنموية طويلة الأمد تجعل من الموارد وسيلة للنهوض لا سبباً جديداً للصراع.
لقد علمتنا سبعون عاماً من التجربة السودانية أن الثروة لا تصنع التنمية تلقائياً، وأن الموارد لا تتحول إلى رفاه إلا عبر الإدارة الجيدة والحوكمة الرشيدة والاستقرار السياسي. ولهذا فإن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ من إصلاح الدولة نفسها، لأن الاقتصاد في نهاية المطاف هو مرآة لطبيعة النظام السياسي والإداري الذي يديره.
وفي الجزء السادس سنتناول دور النخب السياسية والفكرية في تشكيل الأزمة السودانية، بين مسؤولية القيادة وإخفاقات إدارة الخلاف الوطني.
                          ،،، تحياتي ،،،

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات