✒️ الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد
في زاويةٍ معتمةٍ من هذا الوطن، كانت هناك امرأةٌ تلفظ أنفاسها الأخيرة بصمتٍ لا يسمعه أحد.
لم تكن تبكي فقط… بل كانت تنزف من الداخل، كأنَّ الحزنَ استوطن عروقها، وكأنَّ الخوفَ جلس فوق صدرها منذ أول طلقةٍ مزّقت سماء السودان.
كانت تضمُّ جسدها المرتجف بيديها، كأنها تحاول أن تُخفي ما تبقّى من روحها عن هذا العالم المتوحش.
عينان غارقتان في الذهول، ودموعٌ علقت بين حنايا تجاعيد الزمن، ووجهٌ رسمت عليه الحرب لوحتها السوداء؛ ألمٌ، وجوعٌ، وذلٌّ، وانكسارٌ يشبه الموت البطيء.
ولم تكن تلك المرأة حالةً فرديةً عابرة…
بل كانت الوطن كلّه في هيئة امرأة.
امرأةٌ جُرِّدت من الأمان، ومن البيت، ومن الحلم، ومن حقّها الطبيعي في الحياة دون خوف.
امرأةٌ داهمتها الحرب حتى داخل روحها، حتى صارت ترتجف من صوت الباب، ومن وقع الأقدام، ومن الليل الطويل حين يهبط فوق المدن المنهكة.
هناك من مرّوا على أجساد النساء كأنهم لا ينتمون للبشرية.
قلوبٌ نُزعت منها الرحمة، وأرواحٌ تمرّدت على الفطرة والإنسانية، ولم تترك خلفها سوى الخراب والعار والرماد.
اغتصاب…
وتعذيب…
وإذلال…
وزواجٌ بالإكراه تحت سلطة الخوف والسلاح…
ونساءٌ دُفعن نحو الهاوية وهنّ يحملن أطفالهن وأوجاعهن فوق ظهورٍ أرهقها النزوح والجوع والانكسار.
كانت المرأة تُنتزع من حياتها كما تُنتزع الوردة من جذورها، ثم تُترك نصف حيّة، تتنفس وجعها بصمت، وتخيط جراحها بدموعٍ تخجل حتى من السقوط.
وفي كل مرةٍ كانت تحاول أن تصرخ، كان الخوف يضع يده على فمها.
فالمجتمع الذي خاف من الحقيقة، علّم الضحية كيف تصمت، وكيف تُخفي انكسارها خلف وجهٍ متماسك.
لكن الحقيقة لا تموت.
والوجع لا يختفي لأننا نتجاهله.
والعدالة لا تسقط بالتقادم الأخلاقي مهما طال الصمت.
الحرب لم تقتل النساء فقط…
بل حاولت أن تقتل فيهن الإحساس بالحياة.
حوّلتهن إلى ظلالٍ تمشي فوق أرضٍ محترقة، تحمل ذاكرةً مثقلةً بصور الدم، والفقد، والرعب، والخذلان.
أيُّ عدالةٍ تستطيع أن تعيد امرأةً خرجت من الجحيم وهي تحمل داخلها مقبرةً كاملةً من الألم؟
وأيُّ وطنٍ يُبنى ونساؤه يُخفين جراحهن خوفًا من نظرة الناس أكثر من خوفهن من الجريمة نفسها؟
المرأة السودانية لم تكن مجرد شاهدة على الحرب…
بل كانت الجسد الذي مرّت فوقه الكارثة بكل قسوتها.
ومع ذلك، ما زالت تحاول أن تقف.
تجمع ما تبقّى من روحها بيدٍ مرتجفة، وتخبئ دمعتها الأخيرة كي لا يسقط العالم من حولها.
جرِّدِ الكلمةَ من الخجل،
واغرسها بخنجر العدالة داخل صدر الصمت.
لا تُشبِّه الجلادَ بوحشٍ مفترس، فذلك يُخفِّف من بشاعة الحقيقة؛
فالوحشُ يقتل بغريزته، أمّا من جرّد امرأةً من روحها، وتركها تلفظ أنفاسها الأخيرة بين الخوف والدموع والانكسار، فهو إنسانٌ تمرّد على الرحمة، ونزع عن قلبه معنى الإنسانية، حتى صار الخراب يسير في هيئة بشر.
وهنا تبدو المرأة كأنها صورةٌ ترتجف داخل عتمةٍ طويلة،
كأن دموعها عالقةٌ بين حنايا تجاعيد الزمن،
وكأن الألم رسم ملامحها الأخيرة بلوحةٍ يختلط فيها الذلّ بالخذلان واليأس من النجاة.
جعلت الحروف تصرخ…
لا لتصف الموت فقط،
بل لتكشف كيف تُقتل الأرواح وهي ما تزال تتنفس.
وكيف يُترك الإنسان وحيدًا في مواجهة جراحٍ لا تُرى، لكنها تنزف كل يوم.
تَوَقَّعِي …
سَلَامًا وَأَمَانًا… فَالعَدْلُ مِيزَانْ
سَلَامٌ عَلَى أَرْوَاحٍ تَشْتَاقُ إِلَى الطُّمَأْنِينَةِ بَعْدَ طُولِ الخَوْفِ وَالانْكِسَارْ.
سَلَامٌ عَلَى رُوحٍ تَعَلَّمَتْ كَيْفَ تَصْنَعُ السَّلَامَ مِنْ وَجَعِهَا،
وَكَيْفَ تُهَزُّ عُرُوشُ العَدَالَةِ بِصَوْتِ الحَقِّ وَالأَمَانْ.
أَنَا الرِّسَالَةُ… حِينَ يَضِيعُ البَرِيدْ،
أَنَا امْرَأَةٌ مِنْ حِبْرِ النَّارْ،
أَكْتُبُ الوَجَعَ لِيَبْقَى الشَّهِيدُ شَاهِدًا،
وَأَزْرَعُ مِنْ رَمَادِ الحُرُوفِ وَطَنًا يُشْبِهُ الحَيَاةْ.
✍️ عبير نبيل محمد
امرأةٌ من حبر النار
