الجمعة, مايو 29, 2026
الرئيسيةمقالاتبين مطرقة الراهن وسندان التأريخ: حوار الخرطوم الجديد هل يكسر حلقة الحوار...

بين مطرقة الراهن وسندان التأريخ: حوار الخرطوم الجديد هل يكسر حلقة الحوار القديم ؟

بقلم/ اسماعيل الحكيم
إنّ دعوة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى حوارٍ سوداني ـ سوداني تحت رعاية الدولة، لم تكن الدعوة خطاباً سياسياً عادياً في لحظة حرب، بل بدت وكأنها استدعاءٌ كثيف لذاكرة السودان المثقلة بمحاولات الاتفاق والاختلاف، ومراجعةٌ قاسية لمسيرة وطن ظل يتأرجح بين البنادق والمنابر، وبين هدير المعارك وهمس الموائد المستديرة.
فالسودان ليس بلداً فقيراً في تجارب الحوار، ولربما هو من أكثر البلدان العربية والإفريقية التي أرهقتها طاولات التفاوض، حتى غدا “الحوار” مفردةً متجذرة في قاموسه السياسي وأدبه التجاوري .. وظلت تتكرر كلما اشتد الانقسام أو اقترب الوطن من حافة الانهيار.
وإبتداءً من “مؤتمر المائدة المستديرة” الذي حاول تضميد جراح الجنوب في ستينيات القرن الماضي، إلى اتفاقية أديس أبابا في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، مروراً بالحوار الوطني الذي أطلقته حكومة الإنقاذ وشاركت فيه قوى سياسية متعددة، وانتهاءً باتفاق جوبا للسلام، ظل السودان يطرق باب التوافق مرةً بعد أخرى، وكأن الجغرافيا السودانية لا تستقر إلا فوق أرضٍ من الحوار، مهما تعثرت نتائجه أو تبدلت وجوه المشاركين فيه.
لكن الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها أن كثرة الحوارات ليست دليلاً على نجاحها، بقدر ما قد تكون شاهداً على عجز النخب السودانية عن إنتاج مشروع وطني دائم. فبعض تلك الحوارات انتهى إلى اقتسام سلطة، لا إلى تأسيس دولة، وبعضها تحوّل إلى محاصصات سياسية أرهقت الجهاز التنفيذي وأثقلت جسد الوطن الهزيل، فيما بقي المواطن السوداني يدفع فاتورة النخب المتصارعة من أمنه ورغيفه واستقراره ومستقبل أبنائه.
ومن هنا، فإن أي دعوة جديدة للحوار لا ينبغي أن تكون إعادة تدوير لتجارب قديمة بوجوه جديدة وشعارات مختلفة، وإنما يجب أن تقوم على أسس واضحة وحاسمة، تحفظ للدولة هيبتها وللحوار قيمته وللوطن مستقبله.
إن أولى ضرورات أي تحاور جاد أن تُحدد شروطه وأركانه قبل انعقاده، لأن الحوارات المفتوحة بلا معايير تتحول سريعاً إلى ساحات للمزايدات السياسية وتصفية للحسابات القديمة. وليس من الحكمة أن يُفتح الباب لكل من احترف الضجيج السياسي دون أن يكون له إسهام حقيقي في بناء الدولة أو تجربة معتبرة في العمل الوطني.
فالمرحلة الحالية ليست لحظة تفضّل سياسي، وإنما لحظة تأسيس تاريخي لما بعد الحرب. ولذلك فإن القوى التي ينبغي أن تُدعى إلى هذا الحوار هي القوى التي تمتلك رصيداً سياسياً أو مجتمعياً حقيقياً، أو ساهمت بصدق في معركة الكرامة وصون الدولة السودانية، سواء من القوى النظامية أو من الفعاليات الوطنية والمجتمعية التي وقفت مع بقاء السودان موحداً في وجه الانهيار.
كما أن من أهم ما يجب الانتباه إليه ألا يتحول الحوار إلى عملية مفتوحة بلا نهاية، تُستهلك فيها السنوات كما استُهلكت من قبلها فرص كثيرة. فالزمن في الدول المنهكة بالحروب ليس هامشاً سياسياً، وإنما عنصر أمن قومي ورافعة بناء شامل ولهذا فإن أي حوار وطني ينبغي أن يُدار بسقف زمني محدد، وجدول أعمال واضح، وقضايا مصنفة بدقة، تبدأ بأولويات الدولة لا بخلافات الأحزاب.
فالسودانيون اليوم لا ينتظرون خطابات مطولة بقدر ما ينتظرون دولةً تستعيد الأمن، ومؤسسات تعيد الخدمات، واقتصاداً يخفف قسوة الحياة، ورؤيةً تُخرج البلاد من دوائر الانتقال العبثي إلى أفق الاستقرار والتعافي.
كما أن الرقابة الدولية ـ إن وُجدت ـ يجب أن تكون رقابة داعمة لا وصاية مقنعة، ومساندةً خالية من الأجندات المسبقة أو محاولات هندسة المشهد السوداني وفق مصالح الخارج. فالتجارب علمتنا أن بعض التدخلات الدولية لا تأتي دائماً لإنقاذ الأوطان، بل أحياناً لإدارة أزماتها بما يخدم الآخرين.
إن غاية أي تحاور حقيقي ينبغي ألا تكون اقتسام المناصب، ولا إعادة تدوير النخب، ولا إنتاج حكومة مؤقتة جديدة تحمل بذور الأزمة القادمة، وإنما يجب أن تكون الغاية النهائية هي الإنسان السوداني نفسه؛ المواطن الذي طحنته الحرب، وأرهقته الانقسامات، وأتعبته الانتقالات السياسية الطويلة.
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى حوار يُكتب بالحبر السياسي وحده، إنما إلى حوار يُكتب بوعي التاريخ، وبألم الحرب، وبمسؤولية اللحظة، وبإدراك أن الأوطان التي تنجو من الحروب لا تبنيها الصفقات العابرة، وإنما تبنيها الإرادة الوطنية الصادقة.
ولعل أخطر ما يواجه السودان الآن ليس فقط آثار الحرب، ولكن إمكانية العودة إلى الأخطاء ذاتها تحت عناوين جديدة. ولذلك فإن نجاح أي دعوة للحوار مرهون بقدرتها على تجاوز إرث المحاصصة، والانتصار لفكرة الدولة، وتقديم مصلحة السودان على رغبات القوى والأفراد.
وحين يصبح المواطن هو الغاية، لا الغنيمة، عندها فقط يمكن للحوار السوداني أن يتحول من حدث سياسي إلى نقطة بداية حقيقية نحو التعافي والنهوض وبناء وطن يستحقه السودانيون.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات