ما بَيْنَ القَلَمِ وَالوَرَقِ وَيَدِي، تَتَفَتَّحُ فِي الدَّاخِلِ عَاصِفَةٌ خَفِيَّة، تُحَوِّلُ الفِكْرَةَ إِلَى نَبْضٍ دَافِئ، وَالكَلِمَةَ إِلَى أَثَرٍ لَا يُرَى، وَالحِبْرَ إِلَى حَيَاةٍ تَتَسَرَّبُ بِهُدُوءٍ فِي عُرُوقِ المَعْنَى.
الكَلِمَاتُ لَا تُكْتَبُ فَحَسْب… بَلْ تُولَدُ مِنْ مَنَاطِقَ لَا يَطَالُهَا الضَّوْء، تَتَنَفَّسُ، تَتَأَلَّمُ، وَتُعِيدُ تَشْكِيلَ نَفْسِهَا عَلَى هَيْئَةِ اعْتِرَافٍ صَامِت.
وَالوَرَقُ لَيْسَ بَيَاضًا سَاكِنًا، بَلْ ذَاكِرَةٌ تُخْفِي مَا عَجَزَ القَلْبُ عَنِ البَوْحِ بِهِ، وَتَشْهَدُ عَلَى مَا لَمْ يُنْطَقْ بِهِ يَوْمًا.
بَيْنَ السُّطُورِ تَتَرَاكَمُ أَزْمِنَةٌ صَغِيرَة:
مَوَاجِعُ لَمْ تَكْتَمِل، وَذِكْرَيَاتٌ تَعُودُ بِلَا اسْتِئْذَان، وَأَحْلَامٌ خَرَجَتْ مِنْ رَحِمِ الانْكِسَارِ لِتَتَعَلَّمَ الوُقُوفَ مِنْ جَدِيد.
القَلَمُ وَالوَرَقُ لَيْسَا أَدَاةً لِلكِتَابَة، بَلْ مَسَاحَةٌ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَدَاخِلِهِ؛ مِرْآةٌ لَا تُجَامِلُ الفَرَحَ حِينَ يُشْرِق، وَلَا تُخْفِي الحُزْنَ حِينَ يَثْقُل. فِيهِمَا يَنْكَشِفُ مَا وَرَاءَ الهُدُوء، وَيَتَعَرَّى مَا وَرَاءَ الصَّمْت.
ثُمَّ تَأْتِي لَحْظَةُ الانْكِسَار… حِينَ يَتَبَدَّلُ المَعْنَى، وَيَتَحَوَّلُ الصَّمْتُ إِلَى صَرْخَةٍ دَاخِلِيَّة تُعْلِنُ التَّمَرُّدَ عَلَى كُلِّ مَا حَاوَلَ إِطْفَاءَ الرُّوح.
هُنَاكَ، لَا يَعُودُ القَلَمُ وَسِيلَةَ تَعْبِير، بَلْ يُصْبِحُ طَرِيقًا خَفِيًّا لِلنَّجَاة، يَشُقُّ فِي العَتَمَةِ مَمَرًّا رَفِيعًا نَحْوَ الضَّوْء، كُلَّمَا ضَاقَ العَالَم.
وَمِنْ أَعْمَاقِ مَوْجٍ شَابَتْهُ العَوَاصِف، تُعَادُ صِيَاغَةُ السَّفِينَةِ مِنْ جَدِيد؛
سَفِينَةٌ خَفِيفَةٌ لَا تَحْمِلُ أَثْقَالًا وَلَا أَوْهَامًا، بَلْ مَا يَكْفِي لِثَبَاتِ الخُطْوَة:
صَبْرٌ يُهَدِّئُ العَاصِفَة، وَأَمَلٌ يُعِيدُ التَّوَازُن، وَيَقِينٌ صَغِيرٌ اسْمُهُ الكَبِير: الحَمْدُ لِلَّه.
لَيْسَ الإِيمَانُ هُنَا هُرُوبًا مِنَ الأَلَم، بَلِ اتِّسَاعٌ دَاخِلِيٌّ يُعِيدُ تَرْتِيبَ الفَوْضَى، وَيَمْنَحُ الطَّرِيقَ مَعْنًى حِينَ يَضِيعُ الاتِّجَاه، وَيُبْقِي فِي القَلْبِ شُعْلَةً لَا تَنْطَفِئُ مَهْمَا اشْتَدَّ الظَّلَام.
وَهَكَذَا، يَبْقَى القَلَمُ شَاهِدًا، وَيَبْقَى القَلْبُ حَيًّا، وَتَبْقَى الحَيَاة — رَغْمَ كُلِّ شَيْء — قَابِلَةً لِأَنْ تُكْتَبَ مِنْ جَدِيد.
وَهَكَذَا، لَا يَنْطَفِئُ مَا كُتِبَ بِصِدْقِ الرُّوح، وَلَا يَضِيعُ مَا خَرَجَ مِنْ بَيْنِ انْكِسَارٍ تَشَكَّلَ عَلَى هَيْئَةِ مَعْنًى.
فَكُلُّ حَرْفٍ مَرَّ مِنْ هُنَا لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ أَثَر، بَلْ خُطْوَةٌ نَحْوَ حَيَاةٍ تُعَادُ كِتَابَتُهَا كُلَّ مَرَّةٍ مِنْ جَدِيد، وَلَوْ مِنْ رَمَادِهَا الأَوَّل.
🕊️
وَيَبْقَى القَلَم…
وَيَبْقَى القَلْب…
وَيَبْقَى مَا لَا يُقَالُ حَاضِرًا فِي هَيْئَةِ نَصٍّ لَا يَمُوت.
✦ تَوْقِيعُ العَنْقَاءِ ✦
❝ أَنَا الَّتِي تَكْتُبُ مِنْ وَجْدِهَا…
لَا مِنْ حِبْرٍ عَابِر،
أُشْعِلُ الحَرْفَ مِنْ نَبْضِي،
وَأُخْفِي فِي كُلِّ نَصٍّ صَدَى اسْمٍ لَا يَغِيب. ❞
❝ فَكُلُّ كَلِمَةٍ أَنْثُرُهَا — قِطْعَةٌ مِنْ رُوحِي،
وَكُلُّ صَمْتٍ بَيْنَ السُّطُورِ — حِكَايَةُ قَلْبٍ لَمْ يَنْطَفِئْ. ❞
❝ أَكْتُبُ بِقَلْبٍ يَذُوبُ فِي الحُرُوف،
وَأَحْيَا عَلَى وَهَجِ المَعْنَى،
فَالقَصِيدَةُ فِي رُوحِي وَطَنٌ،
وَالحُبُّ فِي نُصُوصِي صَدًى لَا يَمُوت. ❞
✒️ عَبِيرُ نَبِيل مُحَمَّد
🖋️ امْرَأَةٌ مِنْ حِبْرِ النَّار… عَنْقَاءُ الحُرُوف
