تقرير : المجد نيوز
في خضم حربٍ أعادت تشكيل أولويات الدولة وأثقلت مؤسساتها بتحديات غير مسبوقة، برزت الجمارك السودانية كإحدى أكثر الأجهزة ثباتاً في الميدان الاقتصادي والأمني، محافظةً على دورها الحيوي في حماية الموارد العامة وضمان استمرار تدفق الإيرادات، رغم اضطراب المشهد العام وتعقيدات التشغيل.
ولم تتوقف الجمارك عند حدود الأداء التقليدي، بل اندفعت نحو إعادة تنظيم بنيتها الرقمية، وتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية، وتوسيع حضورها الإنساني والاجتماعي، في تجربة تعكس انتقالاً من إدارة الأزمة إلى صناعة الاستقرار.
يرصد هذا التقرير كيف تمكنت الجمارك السودانية من الحفاظ على استمرارية الأداء وسط ظروف الحرب، عبر تأمين الإيرادات العامة، وتحقيق ضبطيات نوعية، وتسريع التحول الرقمي، إلى جانب توسيع أدوارها الإنسانية والاجتماعية.
استمرارية مؤسسية وصمود اقتصادي
ومنذ اندلاع الحرب وانتقال مؤسسات الدولة إلى بورتسودان، واجهت الجمارك تحديات تشغيلية ولوجستية معقدة، اضطرتها للاعتماد على إجراءات يدوية مؤقتة لضمان استمرار العمل الجمركي وعدم توقف حركة التجارة.
ورغم ذلك، تمكنت من الحفاظ على تدفق الإيرادات العامة للدولة، في واحدة من أكثر الفترات حساسية اقتصادياً، ما ساهم في دعم الخزينة العامة والمجهود اللوجستي للدولة.
إعادة تشغيل الأنظمة الرقمية واستعادة دورة التحصيل
ومثّل استئناف العمل بالأنظمة الإلكترونية للجمارك واحدة من أهم الخطوات المؤسسية التي اتخذتها الدولة عقب اندلاع الحرب، لما لذلك من تأثير مباشر على حركة التجارة والإيرادات العامة وكفاءة الإجراءات الجمركية.
ففي 20 مايو 2023، نجحت الجمارك السودانية في إعادة تشغيل نظامها الإلكتروني بعد فترة من التعطل الناتج عن الظروف الأمنية وتعقيدات التشغيل، لتبدأ مرحلة جديدة من استعادة دورة العمل المالي والإداري بصورة أكثر انتظاماً واستقراراً.
وشكلت هذه الخطوة نقطة تحول محورية في إعادة ربط عمليات التحصيل بخزينة الدولة إلكترونياً، بما أسهم في تعزيز الشفافية وتقليل الفاقد المالي، إلى جانب تسريع إجراءات التخليص الجمركي وضمان انسياب حركة الواردات والصادرات عبر الموانئ والمعابر المختلفة.
كما ساعدت الأنظمة الرقمية في تقليل الاعتماد على الإجراءات اليدوية التي فُرضت مؤقتاً خلال بدايات الحرب، الأمر الذي مكّن الجمارك من المحافظة على استمرارية الأداء حتى في أصعب الظروف التشغيلية، خاصة خلال ذروة العمليات العسكرية في الخرطوم.
وامتد أثر إعادة التشغيل إلى تحسين كفاءة المتابعة والرقابة وتبادل البيانات بين الإدارات والمنافذ الجمركية، ما عزز قدرة المؤسسة على إدارة العمليات اليومية بكفاءة أعلى رغم تحديات البنية التحتية والاتصالات.
ويرى مراقبون أن نجاح الجمارك في استعادة منظومتها الرقمية خلال فترة الحرب يمثل مؤشراً على قدرة مؤسسات الدولة على التكيّف مع الأزمات، والتحول من مرحلة المعالجات الطارئة إلى بناء منظومة عمل أكثر حداثة واعتماداً على التقنية.
ضبطيات قياسية في مواجهة شبكات التهريب
وسجلت قوات الجمارك، بالتنسيق مع جهاز الأمن والمخابرات، سلسلة ضبطيات نوعية عكست حجم التحديات الأمنية عبر المنافذ الحدودية.
أبرز الضبطيات:
الذهب: 185 كيلوغراماً
الأسلحة: 258 قطعة سلاح
الذخائر: 115,628 طلقة
مناظير: 4
المخدرات:
276,000 حبة كبتاجون
50,630 رأس حشيش
22,986 كيلوغرام آيس
299 كيلوغرام هيروين
51 جوال قات
42 كيس آيس مذاب
500 كيلوغرام شاشمندي
وتعكس هذه الأرقام اتساع شبكات التهريب العابرة للحدود، وتعاظم دور الجمارك كخط دفاع أول للاقتصاد والأمن القومي.
تحول رقمي شامل
واصلت الجمارك تنفيذ برنامج تحديث تقني واسع، انتقل بها من الأنظمة التقليدية إلى منظومة رقمية متكاملة.
أبرز ملامح التحول:
تشغيل النظام الجمركي الإلكتروني (مايو 2023)
تفعيل نظام ASYCUDA (أكتوبر 2023)
ربط منصات “إيصالي” و“بلدنا”
تطبيق التتبع الإلكتروني للحاويات من الموانئ إلى الولايات
تعزيز الرقابة بالكاميرات والطائرات المسيّرة وأجهزة الأشعة
استعادة مركز البيانات مع نسخة احتياطية آمنة
تشغيل نظام الأشعة السينية بالميناء الجنوبي تمهيداً لتعميمه
ويمثل هذا المسار انتقالاً من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء منظومة عمل مؤسسي حديث قائم على الرقمنة.
دور اجتماعي وإنساني واسع ضمن معركة الكرامة
لم يقتصر دور الجمارك على الجوانب الاقتصادية والأمنية، بل امتد ليشمل برامج دعم اجتماعي وإنساني واسعة.
قوافل الدعم شملت:
كرري ،الجزيرة ، سنار
الخرطوم
(مواد غذائية وأدوية للقوات النظامية والمساندين)
كما قدمت دعماً مباشراً للجرحى عبر مستشفيات الشرطة والسلاح الطبي في عطبرة ودنقلا وكسلا وبورتسودان ومروي والقضارف والخرطوم، إضافة إلى مستشفيات عسكرية خلال العمليات.
تعزيز البعد الإنساني
امتدت الجهود لتشمل النازحين والعائدين، إلى جانب برامج رعاية أسر الشهداء.
أبرز الجهود:
دعم معسكرات النازحين في العفاض والقضارف وكسلا وسنار
تفويج العائدين إلى الخرطوم ومدني وسنار
تقديم خدمات طبية عبر مجمعات الجمارك في بورتسودان، كوستي، كسلا، الخرطوم، دنقلا، وعطبرة
رعاية أسر الشهداء:
45 أسرة من شهداء الجمارك
163 أسرة من شهداء مكافحة التهريب
تؤكد هذه المؤشرات أن الجمارك السودانية لم تكتفِ باستمرار العمل خلال الحرب، بل أعادت تموضعها كمؤسسة متعددة الأدوار تجمع بين حماية الاقتصاد، وتعزيز الأمن، وتسريع التحول الرقمي، وتوسيع العمل الإنساني.
وبذلك تبرز الجمارك كأحد أعمدة الدولة التي واصلت أداءها في أصعب الظروف، محافظةً على استقرار الإيرادات، ومواجهة التهديدات، وإعادة بناء بنيتها المؤسسية في قلب الحرب.
