السبت, مايو 23, 2026
الرئيسيةمقالاتحين يتراجع الوطن أمام هندسة الإنتماء القبلي. ...

حين يتراجع الوطن أمام هندسة الإنتماء القبلي. د. الهادي عبدالله أبوضفائر


د. الهادي عبدالله أبوضفائر

ليست الهزيمة في أزيز الرصاص، بل قد تبدأ بصمتٍ يتسرّب إلى داخل الوطن حتى يُفكّك روحه من الجذور. وحين تتشظّى الهوية بين القبيلة والجهة واللون، تنكمش فكرة الوطن بوصفه فضاءً جامعاً يتّسع للجميع، ويتحوّل إلى شظايا انتماءاتٍ متنازعة، يعلو فيها صوت العصبية، بينما يخفت الحسّ الجمعي تحت سطوة الهويات الضيّقة.

في تلك اللحظة لا يحدث الانهيار دفعةً واحدة، بل يبدأ كتحوّلٍ بطيء في الوعي، يتسرّب عبر الميديا واللغة والذاكرة، وفي الطريقة التي يرى بها الإنسانُ أخاه الإنسان. هناك يُعاد ترتيب الناس في الذهن على خرائط متجاورة من الولاءات، حتى يغدو الآخر أقرب إلى التهديد منه إلى الشريك، ويصبح الاختلاف مدخلاً للريبة لا فرصةً للفهم. وعندها لا يكون الوطن قد فُقد على الأرض، بل في المخيلة التي كانت يوماً قادرةً على جمع المختلفين في تصوّرٍ جامعٍ للحياة المشتركة.

السلام الحقيقي ليس ذلك الذي يُوقَّع بالحبر فوق الطاولات اللامعة، بينما تبقى الأرواح مثقلةً بأحقادها القديمة، بل هو تحوّلٌ عميق يبدأ داخل وعي الإنسان قبل أن يتجسّد في سلطةٍ أو حكومةٍ أو اتفاق. فالبنادق قد تصمت خوفاً أو إنهاكاً، لكن الأوطان لا تهدأ حقاً إلا حين يتعلّم الناس أن يروا بعضهم شركاء في المصير، لا خصوماً يتقاسمون الغنيمة.

ولهذا، تحوّلت كثيرٌ من الاتفاقيات إلى سوقٍ سياسي تُباع فيه الولاءات بالمناصب والمال، لا بمشروع يقوم على العدالة والكفاءة. وعندها تفقد الوظيفة العامة بعدها الأخلاقي، وتغدو مكافأةً لمن يُحسن الاصطفاف خلف القوة، لا لمن يحمل همَّ الناس. فيدخل البعض إلى السلطة بوصفها طريقاً للنفوذ والثروة لا ميداناً للخدمة، ويتحوّل الوطن من قيمةٍ جامعة إلى غنيمةٍ تتقاسمها شبكات الامتياز والمصلحة.

حين تُدار الدولة بمنطق التوازنات لا بمنطق المشروع، يبدأ التآكل الداخلي في التسلل بهدوءٍ خادع، فتتشكّل الحكومات كغنائم، ويُستبدل سؤال البناء بسؤال الرضا. مَن نُرضي؟ بدل كيف نبني؟، ومَن يتولّى الوزارة؟ بدل مَن يستحقها؟. وحين تتحوّل السلطة إلى مكافأةٍ للولاءات، تُهمَّش الكفاءة، ويغدو السلام هدنةً بين المتنافسين على النفوذ، لا مشروعاً لإعادة بناء المجتمع.

تنتهي حياة الفرد بطلقة، لكن خطر الرصاصة لا يُقاس بخطورة الفكرة حين تنحرف. فالفكرة المشوّهة قادرة على أن تُفرغ وطناً كاملاً من محتواه دون أن تُسقط حجراً واحداً من جدرانه. ولهذا، لم تكن مأساة المجتمعات فقراً في الموارد بقدر ما كانت فقراً في الوعي، وعجزاً عن رؤية الذات كجماعةٍ بشرية واحدة تتجاوز حدود الدم والجهة واللون.

حين تضيق فكرة الوطن وتتّسع دوائر القبيلة، ويُعرّف الإنسان ذاته بالدم قبل المواطنة، وبالجهة قبل الجغرافيا، وبالانتماء الضيّق قبل الحلم المشترك، هناك، في تلك اللحظة الصامتة، يبدأ الانهيار الحقيقي: انهيار الوعي قبل سقوط الوطن.

القبيلة، في أصلها، لم تكن خطيئةً تاريخية، بل شكلاً فطرياً للحماية والانتماء حين كان الإنسان يبحث عن الأمان داخل حدود القرابة. لكنها تصبح مأزقاً حين تتحوّل من رابطةٍ إجتماعية إلى مشروعٍ سياسي، ومن فضاءٍ للتكافل إلى أداةٍ للإقصاء. عندها يُقاس الإنسان بأصله لا بوعيه، ويُستبدل معيار الكفاءة بسؤال الإنتماء .

والمفارقة أن المجتمعات التي تتشبث بالانتماءات الضيقة تظن أنها تحتمي بها، بينما هي في الحقيقة تُفكّك آخر ما يحميها وهو الوطن. فالوطن ليس حدوداً مرسومة فحسب، بل ميثاقٌ أخلاقي يقوم على يقينٍ بأن ما يجمع البشر أعمق مما يفرّقهم، وأن اختلافهم لا يلغي إنسانيتهم المشتركة.

حين يضعف هذا العقد، يتسرّب العنف إلى تفاصيل الحياة اليومية متخفياً في السلوك والتأويل، فتغدو صور التمييز مألوفة، والإقصاء مبرّراً، والصمت على الظلم تواطؤاً صامتاً. عندها لا يعود العنف حدثاً عابراً، بل مناخاً عاماً يطبع العلاقات الإنسانية بالارتياب.

والأخطر من صناعة الكراهية هو تطبيع الظلم حتى يغدو الاستثناء قاعدةً والنزيف نظاماً، فيفقد الإنسان حريته في إدراك العالم خارج القوالب الجاهزة التي تسبق حكمه على الآخر.

ليست أزمة الوطن سياسية فقط، بل أزمة خيالٍ جمعي، عجزٌ عن تصور وطنٍ يتّسع للاختلاف دون أن يتحوّل إلى صراع. فالأمم لا تُبنى على التشابه، بل على إدارة التعدد ضمن أفقٍ أوسع من الانقسام.

ومستقبل الوطن لا يُصنع بالحنين إلى القبيلة، بل بتحويل قيمها الإنسانية كالنجدة والكرامة والمروءة إلى قيمٍ وطنية جامعة، تعيد تأسيس العلاقة بين الفرد والجماعة على المواطنة لا الوراثة، وعلى الفعل لا الأصل. وفي النهاية، ليس السؤال: كيف نوقف الحرب؟ بل كيف نمنع تفكك الوطن إلى أوطانٍ صغيرة، وكيف نعيد ابتكار فكرته قبل أن يتحوّل إلى قبيلةٍ كبرى تتنازع مع ذاتها إلى الأبد.
abudafair@hotmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات