بقلم : مواهب بابكر عثمان
في الثامن عشر من مايو من كل عام يحتفي العالم باليوم العالمي للمتاحف احتفاءً بهذه الصروح الحضارية التي لا تحفظ المقتنيات فحسب بل تحفظ ذاكرة الشعوب وتوثّق تاريخها وتجسد هويتها الثقافية الممتدة عبر الأجيال فالمتاحف ليس أماكن جامدة لعرض الآثار وإنما مؤسسات تحفظ الوعي الوطني وتربط الماضي بالحاضر وتمنح الأجيال القادمة القدرة على معرفة جذورها والانتماء إلى تاريخها
وإذ نشارك العالم اليوم هذه المناسبة المهمة فإننا في محلية شرق النيل نبعث بتحية تقدير واعتزاز لكل العاملين في مجال المتاحف والتراث والثقافة داخل السودان وخارجه من باحثين وأمناء متاحف وخبراء ومهتمين بحماية الإرث الإنساني ونؤكد أن حماية التراث ليس ترفاً ثقافياً بل مسؤولية وطنية وأخلاقية تحفظ للأمم ذاكرتها وتصون هويتها من الضياع والنسيان
لكن هذه المناسبة تأتي هذا العام وقلوبنا مثقلة بالألم
فالحرب التي شهدها السودان لم تستهدف الإنسان والبنية التحتية فحسب بل امتدت آثارها إلى الإرث الثقافي والتاريخي حيث تعرضت متاحف ومخازن تراثية وأثرية لأعمال نهب وتخريب وعبث طال مقتنيات نادرة لا تقدر بثمن شملت قطعاً أثرية ومخطوطات وأعمالاً فنية تمثل جزءاً أصيلاً من ذاكرة السودان الحضارية الممتدة عبر آلاف السنين
إن ما حدث لا يمثل خسارة مادية فقط بل يعد جرحاً عميقاً في وجدان الأمة السودانية ومحاولة لطمس معالم حضارة ظلت شاهدة على عراقة هذا الوطن وإسهاماته الإنسانية عبر التاريخ فالأمم التي تفقد آثارها تفقد جزءاً من قدرتها على رواية تاريخها للأجيال القادمة
وفي هذا اليوم فإن رسالتنا تأتي في اتجاهين متكاملين
أولاً التحية والتقدير
نتقدم بخالص التحايا والتقدير لكل من ظل يعمل بصمت وإخلاص من أجل حماية التراث السوداني ولكل من ساهم في حفظ المقتنيات الثقافية وصونها رغم التحديات والظروف الاستثنائية لقد أثبت هؤلاء أن الذاكرة الوطنية لا يمكن أن تنكسر وأن الإرث الحضاري سيظل حيا بإرادة أبناء الوطن المخلصين
ثانياً المناشدة والدعوة للتحرك العاجل
نجدد دعوتنا إلى UNESCO والمنظمات الدولية والإقليمية المعنية بحماية التراث الثقافي بضرورة التدخل العاجل من أجل
حصر وتوثيق الأضرار التي لحقت بالمتاحف والمخازن الأثرية في السودان
دعم جهود إعادة تأهيل وترميم البنية التحتية للمؤسسات الثقافية المتضررة
المساهمة في ملاحقة واستعادة القطع الأثرية المنهوبة بالتنسيق مع الجهات الدولية المختصة
تقديم الدعم الفني والتقني لحماية التراث السوداني من مخاطر الفقد والاندثار
إن إعادة بناء ما دمرته الحرب لا تقتصر على تشييد المباني وإعادة الخدمات بل تبدأ أولاً بإعادة الاعتبار للذاكرة الوطنية لأن الشعوب التي تحافظ على تاريخها تحافظ على مستقبلها أيضاً وإن أي استثمار في المتاحف والثقافة اليوم هو استثمار في وعي الأجيال القادمة وفي صورة السودان الحضارية أمام العالم
تؤكد محلية شرق النيل أنها ستظل داعمة لكل المبادرات الوطنية الرامية إلى إحياء القطاع الثقافي والسياحي وتعزيز الوعي بأهمية التراث وحمايته فالمتاحف التي تعرضت للنهب والتخريب ستعود من جديد أكثر حضوراً وشهادة على أن السودان رغم الجراح سيبقى وطنا عصيا على محاولات طمس تاريخه وسرقة ذاكرته
كل عام ومتاحف السودان منارات للمعرفة والهوية وكل عام وسوداننا أكثر اعتزازا بتاريخه وحضارته وإرثه الإنساني العظيم …
